التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التخاطر بزاوية ثلاثية الأبعاد


        التخاطر بزاوية ثلاثية الأبعاد 

​طالما استهوت العقل البشري فكرة العبور فوق جسور المادة ، والانعتاق من قيود الحواس الخمس الصارمة ، ومن بين أكثر الظواهر الغامضة التي شغلت الفلاسفة والعلماء ورجال الدين على مر العصور، تأتي ظاهرة التخاطر" ، إنها تلك القوة المفترضة التي تتيح للأفكار والمشاعر والصور الذهنية أن تسافر من عقل إلى آخر دون وسيط مادي ، ودون حاجة لكلمة منطوقة أو إيماءة مرئية .

​بينما يرى البعض في التخاطر حقيقة روحية لا تقبل الجدل ، وينظر إليه آخرون على أنه مجرد وهم نفسي أو خيال خصب غذته السينما والروايات ، ولتفكيك هذا الغموض ، كان لا بد من إخضاع الظاهرة لمشرط الفحص العلمي التجريبي من جهة ، وتأملها من خلال النظرة الدينية والفلسفية من جهة أخرى .

التخاطر بزازية ثلاثية الأبعاد
التخاطر بزازية ثلاثية الأبعاد

​التخاطر في مختبرات العلم بحثا عن النبضة المفقودة

​في الأوساط العلمية الرصينة ، لا يصنف التخاطر كحقيقة علمية ثابتة ، وإنما يوضع تحت مظلة الباراسايكولوجيا أو علم النفس الموازي ، وهو علم يدرس الظواهر الخارقة للمألوف . والموقف الرسمي للعلم الحديث واضح وصارم ، حيث يشير إلى أنه لا يوجد حتى الآن دليل مادي ملموس وقابل للتكرار في المختبرات يثبت أن الأدمغة أو العقول البشرية قادرة على إرسال أو استقبال موجات فكرية مشفرة .

​ولكن كيف يفسر العلم الحالات الكثيرة التي يجزم فيها الناس بأنهم اختبروا التخاطر مع المقربين منهم ؟ ههنا يتدخل علم النفس وعلم الأعصاب لتقديم تفسيرات عقلانية تعيد الظاهرة إلى ميكانيكيات الدماغ الطبيعية .

​الانحياز التأكيدي البشري الخام

​يميل العقل البشري بطبيعته إلى تذكر الأحداث الاستثنائية ونسيان الأحداث العادية ، على سبيل المثال قد تفكر في صديق قديم لم تحدثه منذ سنوات ، وفجأة تجده يتصل بك في نفس الدقيقة ، إذ يفسر علم النفس هذا الأمر بالانحياز التأكيد ، فأنت تتذكر هذه المرة المذهلة التي تزامنت فيها الأفكار ، لكنك تنسى آلاف المرات الأخرى التي فكرت فيها بنفس الشخص أو بغيره ولم يحدث أي شيء ، إحصائياً ومع وجود مليارات البشر، فإن حدوث مثل هذه المصادفات أمر حتمي ومبرهن رياضيا .

​قراءة الإشارات اللاشعورية والخلايا العصبية 

​الأشخاص الذين يجمعهم رابط عاطفي قوي كالأزواج أو التوائم،ط أو الأصدقاء المقربين ، يطورون قدرة فائقة وغير واعية على قراءة لغة الجسد ، ونبرة الصوت  وتعبيرات الوجه الدقيقة ، حيث يحتوي الدماغ البشري على ما يُعرف بالخلايا العصبية المرآتية ، وهي خلايا تساعدنا على محاكاة وفهم مشاعر وتوقعات الآخرين ، فعندما يتوقع شخصان يعيشان في نفس البيئة أمرا ما في ذات اللحظة ، فإن ذلك لا يعود لانتقال إشارات لاسلكية بين دماغيهما ، بل لأن عقولهم تعرضت لنفس المؤثرات الخارجية وطورت ذات رد الفعل بناء على معرفة عميقة بنمط تفكير الآخر .

​ميكانيكا الكم والفرضيات المعلقة

​حاول بعض الباحثين المعاصرين مد جسر بين الفيزياء الحديثة والظواهر الروحية من خلال استدعاء ظاهرة التشابك الكمومي ، وهي ظاهرة فيزيائية حقيقية ترتبط فيها جزيئات دون ذرية ببعضها ، بحيث يؤثر تغير حالة أحدها على الآخر فورا مهما كانت المسافة بينهما ، ورغم جاذبية هذا الطرح ، إلا أن المجتمع العلمي يرى أن إسقاط ظواهر الجسيمات المجهرية الدقيقة على خلايا الدماغ البشرية المعقدة يظل مجرد فرضية فلسفية تفتقر للدليل التجريبي .

​التخاطر في المنظور الديني

​تنتقل بنا النظرة الدينية من عالم المختبر والمادة إلى عالم الروح والغيبيات ، وفي الدين الإسلامي تحديدا ، لا ينظر إلى هذه الظواهر من زاوية مادية أو مهارات بشرية يمكن اكتسابها بالتدريب الرياضي ، بل تربط بمفاهيم مغايرة تماما تعتمد على مقام العبد وصلته بالله عز وجل .

​الفراسة ، الإلهام ، والكرامة الربانية

​في الفكر الإسلامي ، يؤمن العلماء بأن الله قد يمنح بعض عباده الصالحين نورا في البصيرة يسمى الفراسة أو الإلهام ، ومن أشهر الشواهد التاريخية التي يستدل بها في هذا الميزان ، الحادثة الشهيرة للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والمعروفة تاريخيا بـيا سارية الجبل .

​بينما كان عمر يخطب على المنبر في المدينة المنورة ، انقطع حبل أفكاره ونادى بأعلى صوته يا سارية الجبل ، الجبل ، وتبين لاحقا أن قائد الجيش الإسلامي سارية ، الذي كان يقاتل في نهاوند على بعد مئات الأميال ، قد سمع صوت عمر في نفس اللحظة يرشده للاحتماء بالجبل ، مما أنقذ الجيش من الغدر .

​يصنف علماء الدين هذه الحادثة وأمثالها في باب الكرامات ، وهي أمور خارقة للعادة يجريها الله على أيدي أوليائه لحكمة ما ، وهي تختلف تماما عن مفهوم التخاطر الشائع اليوم، كونها هبة إلهية لحظية وليست خاصية بيولوجية أو مهارة تخضع لإرادة الإنسان وتحكمه .

​محاذير الدجل والشعوذة في الروحانيات الحديثة

​يقف الدين الإسلامي موقفا حازما تجاه الموجات الحديثة من دورات تنمية الطاقة والروحانيات التجارية التي تدعي تعليم البشر كيفية التخاطر، والتحكم في عقول الآخرين ، أو قراءة أفكارهم عبر طقوس معينة ، وينظر إلى هذه الممارسات باعتبارها نوعا من الدجل ، أو ادعاء لعلم الغيب الذي استأثر الله به ، وأحيانا قد تتداخل مع ممارسات محرمة كالاستعانة بالجن والعرافة ، وهو ما حذرت منه الشريعة بشدة صونا لعقل المسلم وعقيدته .

​العقل الكوني في الفلسفات الشرقية

​على الجانب الآخر، تتبنى الديانات والفلسفات الشرقية كالبوذية والهندوسية رؤية مختلفة ، حيث يعتبر التخاطر جزءا من قدرات كامنة تدعى السيدهاس ، ووفقا لهذه الفلسفات ، فإن جميع العقول البشرية متصلة بوعي كوني واحد ، وعندما ينجح الإنسان في تصفية ذهنه تماما عبر التأمل العميق واليوغا ، يصبح قادرا على التقاط أفكار الآخرين وذبذباتهم كأثر جانبي لارتقائه الروحي .

​إن التخاطر في جوهره يمثل نقطة تماس مثيرة بين رغبة العلم في قياس كل شيء وتأطيره ، ونزوع الروح نحو الانعتاق والاتصال بالنطاقات الغيبية .

​بينما يغلق العلم الباب أمام الظاهرة حتى يرى دليلا ساطعا تحت مجهره ، يفتح الدين والفلسفة آفاقا أرحب لفهم الروابط الإنسانية التي تتجاوز حدود الجسد ، وسواء كانت هذه الظاهرة مجرد حيل ذكية يصنعها الدماغ البشري المنحاز بطبعه للمصادفات ، أو كانت كرامة وإلهاما يختص الله به من يشاء ، فإنها تظل شاهدا على أن الوعي الإنساني ما زال يحمل في طياته أسرارا عصية على الفهم الكامل .

 

                            
   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات ​تعد ظاهرة استخدام أسياخ النحاس في البحث والكشف عن الفراغات والمعادن في باطن الأرض من أكثر المواضيع جدلا بين الأوساط العلمية والباحثين الميدانيين ، إذ يتأرجح تقييم هذه الأداة البدائية بين من يراها وسيلة استشعارية فعالة تعتمد على التقاط مجالات غير مرئية ، وبين من يصنفها علميا ضمن الظواهر النفسية الحركية التي لا تمتلك أي أساس فيزيائي صلب ، مما يفتح الباب واسعا لتفكيك هذه الممارسة وفصل الحقائق العلمية عن الادعاءات الخرافية . ​الآلية الفيزيائية لنمو الفراغات الأرضية وتأثيرها على السطح ​من الناحية الجيولوجية والفيزيائية ، فإن الفراغات والمغارات أو المدافن تحت الأرض تحدث خللا في تجانس التربة المحيطة بها ، حيث تتميز هذه الفراغات باختلاف كثافتها بشكل حاد مقارنة بالصخور أو الرمال التي تطوقها ، هذا التباين في الكثافة يؤدي بالضرورة إلى تغيرات طفيفة في القياسات الجيوفيزيائية مثل المقاومية الكهربائية للتربة ، وشذوذ الجاذبية المحلية ، وحتى تدفق الغازات الطبيعية كالميثان أو الرادون...

فرضية القرن

  فرضية القرن فرضية القرن مرحبا : اليوم جئنا وفي جعبتنا فرضية مهمة جدا في خضم المنافسة التي تعتلي صناعة هذا المحتوى ، فرضية سنحاول من خلالها أن نستسقي استنتاجات مهمة جدا تخلي لنا النظر إلى علم الإستشعار بزاوية حقة ، وللبدئ ندعوا جموع المتابعين إلى ضرورة التركيز الجيد حتى يتبين لكم التسلل أين يقع ، ولتعلموا أن السر في الذات وليس في الأداة . فرضيتنا تقول : لدينا مجال مفتوح أو أرض زراعية سنفترضها هي الميدان الحقيقي الذي سنقيم عليه تجاربنا ، ثم جئنا فأنشأنا ثلاث أهداف حقيقية على طول هذه الأرض ، لنحاكي بذالك البحث الميداني الحقيقي ، كل هدف وضعناه في زاوية مختلفة ، الهدف الأول كان عبارة عن جرة وبها معدن الفضة وضعناها جهة الشمال ، والهدف الثاني وضعناه باتجاه الشمال الغربي وهو عبارة عن فراغ بشري ، ثم انتقلنا إلى جهة الجنوب الغربي فوضعنا هدف كان عبارة عن قبر به بعضا من عظام الحيوانات ، كل هذه الأهداف وضعناها بغية إقامة التجارب الميدانية عليها ، ثم بعد الإنتهاء من وضع كل هذه الأهداف طمسنا معالم الموقع حتى صار الميدان يتبين وكأنه يطابق الحقيقة ، ثم بعد الإنتهاء من عملنا هذا أحضرنا خبير اس...

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية بسم الله الرحمان الرحيم كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية ​لقد سبق وتناولنا مواضيع جمة فيما يخص طرق الكشف والبحث بأسياخ النحاس ، وكذا المفاهيم الفيزيائية والبيولوجية التي تحكم الواقع الميداني وحركات الأسياخ ، لكن الطبيعة دائما ما تمنحنا أبعادا عميقة تجعلنا نتأمل في خفايا العلوم ، فالعمل الميداني ليس مجرد حركة آلية ، بل هو تفاعل حيوي متكامل . إن ما نتعلمه في العلوم التقليدية يكتمل عندما نفهم طاقة الوعي الإنساني ، وهناك دائما مقاربات تجمع بين فيزياء المادة وقوة العقل ، فالعلم الحقيقي هو إدراك الشيء على ما هو عليه ، وللعمل الميداني قواعد فكرية وتقنية يجب استيعابها قبل خوض غمار التجارب والمغامرات ، لذا سنتطرق في هذه المقالة إلى كيفية البحث عن الدفائن والكنوز بطريقة احترافية في الأماكن المشبوهة ، بالاعتماد على التوازن بين طاقة العقل واستجابة الأسياخ النحاسية ، للوصول إلى الهدف المنشود بكل دقة وسهولة . ​_مكان البحث : ​نعلم جميعا أن أسياخ النحاس تعمل كأداة استشعار دقيقة تشبه البوصلة في حساسيتها ، فهي تتأثر بالحقول الترددية والكهرومغناطيسية ا...