ليقين مصدره النفس يقف الإنسان في هذا الوجود أمام سيناريو متكرر من تدفق المعلومات والأدلة والبراهين الحية، لكن الشواهد الحسية والتحليلات الذهنية تبقى في مكانها المجرد حتى تتلقاها النفس البشرية وتتفاعل معها. إن اليقين في الخطاب القرآني ليس عملية حسية مادية تحسب بأرقام، ولا هو مجرد تراكم للمعلومات في العقل الواعي، بل هو حالة وجدانية وانكشاف باطني يستقر في عمق الذات الإنسانية. فالنفس هي الوعاء الحقيقي الذي يتذوق طعم الحقيقة، وهي الموئل الوحيد الذي يتحول فيه العلم من مجرد إدراك نظري إلى قطع جازم واطمئنان ثابت لا يخالطه شك. يتجلى هذا المفهوم في أبهى صوره حين يفرّق البيان القرآني بين الإقرار الظاهري والسلوك الخارجي من جهة، وبين العمليات النفسية العميقة من جهة أخرى. في قوله تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يظهر بشكل جلي أن "الاستيقان" حدثٌ نفسي خالص تم واكتمل في أعماق الذات، حيث تلقت النفسُ الدليل وحللته واعترفت بصدقه اعترافاً باطنياً لا مراء فيه. لقد كانت النفس في تلك اللحظة هي المحرك والمستقر لهذا اليقين، بينما كان الجحد اللساني م...
العقل بين نسبية التصنيف ومطلق الومضة . لطالما وقف الإنسان أمام بعض الظواهر الطبيعية والتقليدية موقف الحائر، فإما أن يسقط عليها قالبا ماديا جافا يعجز عن تفسير ديناميكيتها ، وإما أن يرميها في سلة الخرافة هربا من عناء الفهم ، ومن بين هذه الظواهر الممتدة عبر التاريخ البشري تبرز ممارسة الاستشعار بالأسياخ النحاسية ، حيث تصنف هذه الممارسة تاريخيا وعلميا في إطار البحث عن المياه الجوفية والمعادن أو الفراغات في باطن الأرض ، حيث استخدمت أدوات كثيرة تلبية لهذا الغرض وأخذت حجما مبالغا فيه . لكن هل يعكس تحرك تلك الأدوات مجرد استجابة لمجالات مغناطيسية خارجية أم أن النحاس هنا ليس سوى مؤشر خارجي لبوصلة داخلية أكثر تعقيدا وعمقا ؟ إن الجوهر الحقيقي للاستشعار لا يكمن في معدن النحاس في حد ذاته ، وإنما في الوعي الإنساني الذي يحرك هذا المعدن ، فعندما نرفع هذه الظاهرة من مستوى التفسير الميكانيكي السطحي إلى آفاق علم النفس التحليلي والروحانيات الدينية والفلسفة المعرفية ، نكتشف أننا لسنا أمام سحر أو شعوذة ، وإنما أمام آلية إنسانية فطرية تعتمد على المعرفة الفورية التي تتجاوز قوالب العقل التحليلي ا...