تجارب الإقتراب مه الموت منذ فجر التاريخ والإنسان يحوم حول مفهوم الروح والوعي ، محاولا فهم ما إذا كان إدراكه للعالم محصورا فيما تراه العين وتسمعه الأذن ، أم أن هناك أبعادا أعمق غائبة عن الحواس ، حيث ظل العلم التقليدي لفترة طويلة من الزمن يتعامل مع الدماغ البشري باعتباره المصنع الذي ينتج الأفكار والمشاعر والنوايا ، وأنه البوصلة والمحور القيادي لدى الإنسان ، غير أن الظواهر الغامضة وعلى رأسها تجارب الاقتراب من الموت ، جاءت لتظع علامة استفهام كبرى أمام هذه الرؤية المادية الضيقة والقاصرة ، مشيرة إلى أن للنفس البشرية قدرات هائلة لكنها محجوبة خلف ستار المادة ، وأن التجلي والبروز أمام الخفايا وعوالم الذر ليست حالات استثنائية ، وإنما قدرات مفقودة . ولفهم هذه الظاهرة ، يجدر بنا التفكير في الفكرة الفلسفية التي تصف الدماغ بأنه ليس مكونا للوعي ، بل مجرد جهاز لتقليص الترشيح أو مرشح إشارة ، وهي الفكرة التي أصّلها الفيلسوف هنري برجسون وتبناها لاحقا عالم النفس ألدوس هكسلي ، فوظيفة الجسد والجهاز العصبي تؤول بين المرئ وعوالم الذر لحجب معظم الإشارات والمعلومات التي تدور في هذا الكون ا...
ليقين مصدره النفس يقف الإنسان في هذا الوجود أمام سيناريو متكرر من تدفق المعلومات والأدلة والبراهين الحية، لكن الشواهد الحسية والتحليلات الذهنية تبقى في مكانها المجرد حتى تتلقاها النفس البشرية وتتفاعل معها. إن اليقين في الخطاب القرآني ليس عملية حسية مادية تحسب بأرقام، ولا هو مجرد تراكم للمعلومات في العقل الواعي، بل هو حالة وجدانية وانكشاف باطني يستقر في عمق الذات الإنسانية. فالنفس هي الوعاء الحقيقي الذي يتذوق طعم الحقيقة، وهي الموئل الوحيد الذي يتحول فيه العلم من مجرد إدراك نظري إلى قطع جازم واطمئنان ثابت لا يخالطه شك. يتجلى هذا المفهوم في أبهى صوره حين يفرّق البيان القرآني بين الإقرار الظاهري والسلوك الخارجي من جهة، وبين العمليات النفسية العميقة من جهة أخرى. في قوله تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ يظهر بشكل جلي أن "الاستيقان" حدثٌ نفسي خالص تم واكتمل في أعماق الذات، حيث تلقت النفسُ الدليل وحللته واعترفت بصدقه اعترافاً باطنياً لا مراء فيه. لقد كانت النفس في تلك اللحظة هي المحرك والمستقر لهذا اليقين، بينما كان الجحد اللساني م...