الوعي والإدراك خلف ستائر العقل
لطالما وقف الإنسان مذهولا أمام
مرآة نفسه ، يتساءل عن ذلك السر الخفي الذي يجعله يشعر بوجوده ، ويبصر الألوان ،
ويتذوق نكهة الحياة .
إننا لا نتحدث هنا عن مجرد وظائف
بيولوجية أو تفاعلات كيميائية تحدث داخل القشرة المخية ، بل نبحر في المحيط الأعظم
للوجود الإنساني ، إنه الوعي والإدراك .
هذان المصطلحان اللذان يستخدمان
غالبا كمترادفين ، يمثلان في الحقيقة وجهين لعملة واحدة ، لكن لكل وجه منهما
تضاريسه الخاصة وأسراره التي عجزت أعتى الحواسيب الفائقة عن فك شفرتها حتى الآن .
الإدراك بوابة
العقل نحو العالم
الإدراك هو المترجم الخاص بك ، وهو
تلك العملية الديناميكية التي تحول الفوضى الخارجية إلى نظام داخلي مفهوم .
عندما تنظر إلى لوحة فنية ، فإن
عينيك لا تستقبلان سوى موجات ضوئية وفوتونات كبيانات خام ، هنا يأتي دور الإدراك
ليأخذ هذه البيانات السائلة ويلبسها ثوب
المعنى ، فيقول لك هذا اللون الأحمر يعبر عن الثورة ، وتلك الانحناءة تمثل الحزن .
الإدراك ليس مجرد رؤية أو سماع ، بل
هو تأويل يعتمد على الذاكرة ، والتجارب السابقة ، والثقافة .
كيف يعمل الإدراك ؟
1
- الاستقبال
: تلتقط الحواس الخمس الإشارات من البيئة المحيطة .
2ـ الترجمة
العصيبية : تتحول الإشارات إلى نبضات كهربائية تسير في الأعصاب .
3 ـ التفسير
: يقوم الدماغ بمقارنة هذه النبضات بأرشيفك الشخصي ليمنحها اسما ومعنى .
الوعي أو الشاهد
الصامت
إذا كان الإدراك هو الأداة التي
تقرأ بها كتاب العالم ، فإن الوعي هو الضوء الذي يمكنك من القراءة أصلا ، والوعي
هو شعورك الداخلي بالأنا ، هو معرفتك بأنك تختبر هذه اللحظة بالذات .
في الفلسفة الحديثة ، يُطلق على
الوعي لقب المشكلة المستعصية ، فنحن نستطيع تفسير كيف يسجل الدماغ الألم كإشارات
عصبية ، لكننا لا نستطيع تفسير كيف يبدو شعور الألم نفسه كخبرة ذاتية حية أو
ما يسميه الفلاسفة بالكواليا
مستويات الوعي : من اليقظة إلى اللاشعور
الوعي ليس مفتاحا يفتح ويغلق ، بل
هو طيف ممتد :
- الوعي
السطحي : تركيزك الحالي وأنت تقرأ هذه الكلمات .
- الوعي
بالذات : قدرتك على مراقبة أفكارك ومشاعرك وكأنك شخص آخر .
- الوعي
الكوني الممتد : السمو الذي يشعر به المبدعون والفلاسفة عند الانفصال التام
عن المادة والذوبان في فكرة مجردة .
الجسر الرابط :
أين يلتقي الوعي بالإدراك ؟
لنضرب مثالا يوضح الاندماج الجبار بينهما : تخيل أنك تجلس في مقهى وتمطر السماء بالخارج .
- إدراكك
يخبرك : درجة الحرارة منخفضة ، وهناك صوت قطرات ماء تصطدم بالزجاج .
- وعيك
يتدخل ليصنع التجربة الإنسانية الكاملة : يربط المطر بذكرى قديمة ، ويشعرك
بالدفئ الداخلي ، ويجعلك تتساءل عن ماهية الزمن والوجود .
الإدراك يبني اللبنات ، والوعي يمنحها الروح والمأوى ، وفي النهاية ، يبدو أن الوعي والإدراك هما النافذة الوحيدة التي يرى الكون من خلالها نفسه ، بدون وعيك يصبح الكون الشاسع بنجومه ومجراته مجرد مكان مظلم وصامت لا معنى له ، فأنت لست مجرد متفرج في هذا العالم ، بل أنت الوعي الذي يمنح هذا العالم وجوده الفعلي ، ففي كل مرة تتأمل فيها فكرة أو تشعر بجمال نغمة موسيقية ، تذكر أنك تمارس أعظم معجزات الطبيعة على الإطلاق .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها