كيف تقودك نفسك إلى إدراك هدفك أو حجبك عنه ؟
![]() |
| كيف تقودك نفسك إلى إدراك هدفك أو حجبك عنه ؟ |
إن رحلة البحث والاستكشاف
في باطن الأرض باستخدام الأسياخ النحاسية ليست مجرد ممارسة آلية تعتمد على حركة
الحديد والنحاس ، بل هي في جوهرها انعكاس دقيق لمنظومة معقدة يتداخل فيها الجسد
والعقل والنفس البشرية ، وحين يتساءل الكثير من المبتدئين وحتى بعض المتمرسين عن
الأسباب الخفية والأخطاء التي تحول بينهم وبين العثور على أهدافهم الميدانية ،
فإنهم غالبا ما يبحثون عن علل مادية في نوع الأسياخ أو طبيعة التربة أو المشعات
وخلافها ، متغافلين عن المحرك الأساسي والموجه الأول لهذه العملية وهو النفس
البشرية ، فالنفس في حقيقتها هي مركز الشعور والإدراك الأسمى عند الإنسان ، وهي
صاحبة القرار السيادي والنافذ التي تدير الحواس وتوجه السلوك ولا تدار بواسطة
المؤثرات الخارجية ، بينما لا يعدو العقل أن يكون مجرد جسر يربط بين المادة والنفي
، أو قنطرة تفصل بين الجسد الكثيف والنفس اللطيفة ، ومن هذا المنطلق فإن أول وأكبر
خطأ يقع فيه الباحث هو الجهل بقدرة نفسه العميقة وسماحه للوهم أو التوتر والتشويش
الذهني باختطاف قيادة هذا الجسر ، مما يؤدي فورا إلى إرسال إشارات عضلية لاإرادية
ومضطربة تترجمها الأسياخ على شكل انفراجات أو تقاطعات وهمية لا صلة لها بالواقع
الميداني .
وإذا أردنا تأصيل هذا المفهوم من
منظور ديني محكم ، نجد أن النصوص الشرعية الثابتة قد أكدت على مركزية النفس وعلو
كعبها في توجيه الكيان الإنساني ، حيث يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل
"وفي أنفسكم أَفلا تبصرون" ، وهي دعوة ربانية صريحة للتأمل في هذه الآية
العظيمة وفي القدرات والإمكانات الاستشعارية والروحية التي أودعها الخالق في النفس
البشرية ، كما يوضح البيان النبوي الشريف في الحديث الصحيح الذي يرويه وابصة بن
معبد رضي الله عنه عندما قال له الرسول صلى الله عليه وسلم "استفت قلبك
واستفتِ نفسك ، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في
النفس وتردد في الصدر" ، وهذا دليل شرعي قاطع على أن النفس هي الرقيب
والمستشعر الأول الذي يمتلك بوصلة التمييز الداخلي واليقين ، وحين يسير الباحث في
الميدان وهو مشحون بالطمع الزائد أو الخوف والتردد ، فإن هذه المشاعر السلبية تلوث
صفاء النفس وتجعلها تتردد في الصدر ، فينعكس هذا الاضطراب النفسي مباشرة عبر الجسر
العقلاني والحركي إلى اليدين ، لتبدأ الأسياخ بالرقص على نغمات الرغبات الداخلية
والهواجس بدلا من الاستجابة للترددات الحقيقية للأهداف الجوفية .
ومن الناحية العلمية المحضة ، فإن
هذا التناغم بين النفس والجسد يجد تفسيره الدقيق في علم الأعصاب وعلم النفس الحيوي
تحت ما يعرف بظاهرة التأثير الحركي الذاتي أو الاستجابة الحركية الفكرية ، حيث
أثبتت الدراسات الفسيولوجية أن العقل الباطن عندما يقع تحت سيطرة فكرة ملحة أو
رغبة نفسية طاغية في العثور على شيء ما ، فإنه يقوم بإرسال سيالات عصبية دقيقة جدا
وخفية إلى العضلات الهيكلية الصغيرة في اليدين ، وهذه الحركات الميكروية لا يشعر
بها الإنسان واعيا ، لكنها تكون كافية تماما لتحريك أدوات الاستشعار شديدة
الحساسية كالأسياخ النحاسية ، وبالتالي فإن الخطأ العلمي الذي يرتكبه الباحث هو
عدم تحقيق حالة التحييد النفسي المطلقة ، حيث يدخل الميدان وهو يفكر في الذهب أو
الماء ويتمناه بشدة ، فتستجيب الأسياخ لأمنيته النفسية وليس للواقع المادي ، مما
يجعل الحفر في النهاية مجرد ملاحقة للسراب ، ولذلك فإن العلم يؤكد أن تصفية الذهن
وعزل الرغبات الشخصية هما الشرط الأساسي لضمان تدفق الإشارات الفيزيائية الحقيقية
الناتجة عن التفاعل بين الحقول المغناطيسية للتربة والمعادن وبين الطاقة الحيوية
المنبعثة من الكائن البشري .
ولحل هذه المعضلة الكبرى وتفادي هذه الأخطاء الجسيمة التي تبدد الجهود والأوقات ، يجب على خبير الأسياخ والممارس الذكي أن يتبع منهجية صارمة تبدأ أولا بتدريب النفس على السكينة واليقين والتوكل التام على الله ، مع تفعيل حسن الظن والابتعاد عن الشغف المهلك الذي يعمي البصيرة ، وثانيا بتعلم مهارة فصل المشاعر عن حركة السيخ من خلال الدخول إلى الميدان بعقلية المستكشف المحايد الذي يبحث عن الحقيقة كما هي لا كما يشتهيها ، وثالثا بضرورة تطبيق فقه التثبيت الميداني عبر تأكيد الإشارات من الجهات الأربع وفحص الهدف في أوقات مختلفة لتفادي التغيرات المغناطيسية والكهربائية للتربة ، ورابعا بالاعتماد على الجسد السليم المسترخي والابتعاد عن العمل في حالات التعب أو الإرهاق الشديد لأن الجسد المرهق يشوه عمل الجسر الرابط بين النفس والأسياخ ، وبتحقيق هذا التوازن الفريد بين الثوابت الروحية الدينية والقرائن العلمية التجريبية ، تتحول الأسياخ من مجرد قطعتين من المعدن الصامت إلى امتداد صادق لنفس واعية ومبصرة تقود صاحبها نحو هدفه بثبات ونجاح .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها