كيف تتحكم النفس في دقة أدوات الاستشعار الميداني ؟
لا يمكن اختزال عملية البحث عن الدفائن والموارد الكامنة في باطن الأرض باستخدام أدوات الاستشعار مثل الأسياخ في مجرد حركة فيزيائية ميكانيكية بين المعدن والتربة ، وفي الواقع يمثل هذا الفن الميداني معادلة ثلاثية الأبعاد تتشابك فيها العناصر النفسية ، والعصبية ، والفيزيائية للباحث .
وحين يواجه المنقبون المبتدئون أو حتى بعض المتمرسين الفشل المتكرر في تحديد الأهداف الصائبة ، فإن أول ما يتبادر إلى أذهانهم هو لوم الأدوات ، أو طبيعة تكوين الأرض ، أو تداخل الإشعاعات المعدنية ، لكنهم يغفلون تماما عن المحرك السلوكي الأول والمسؤول الرئيسي عن توجيه الحركة ، فالنفس البشرية هي التي تقود الجسد وتتحكم في استجاباته الحركية ، بينما يمثل العقل البشري المترجم أو القناة التي تمر عبرها تلك الاستشارات العصبية .
عندما يقع الباحث في فخ الأوهام ، أو يتملكه القلق والتشويش الميداني ، فإن خطوط التواصل بين رغباته الداخلية وحركات يديه تصاب بالاضطراب ، مما يؤدي إلى توليد حركات عضلية لاإرادية تترجمها الأسياخ إلى انفراجات أو تقاطعات وهمية ، لا وجود لها على أرض الواقع .
فإذا أردنا قراءة هذا المفهوم من منظور روحي وإسلامي رصين ، نجد أن النصوص الشريفة قد رسخت مبدأ أن حقيقة الإنسان تبدأ من أعماقه وتنعكس على جوارحه ، ويقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" , وهي إشارة صريحة إلى أن التغيير والتحكم الفعلي يبدأ من الداخل أولا .
كذلك نجد في السنة النبوية المطهرة ما يعزز هذا التوجيه ، فعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ" ، حيث يثبت هذا النص أن المنظومة الإنسانية تمتلك بوصلة داخلية حساسة جدا للحق والباطل ، أو للصواب والخطأ .
وعندما ينزل الباحث إلى الميدان وهو مدفوع بالجشع ، أو الخوف من الفشل ، أو التردد ، فإن هذه الانفعالات السلبية تشوش على هذه البوصلة الفطرية ، وينعكس هذا الاضطراب النفسي فورا عبر الجهاز العصبي الحركي ليصل إلى اليدين ، فتبدأ الأسياخ بالتحرك استجابة للأمنيات والهواجس الشخصية ، بدلا من التفاعل مع الترددات الحقيقية للأهداف الجوفية .
ومن الناحية العلمية البحتة ، يجد هذا التناغم والارتباط بين العقل والجسد تفسيرا دقيقا في علم الأعصاب وعلم النفس الفسيولوجي تحت ما يعرف بظاهرة الاستجابة الحركية الفكرية" ، حيث تؤكد الدراسات المخبرية أن العقل الباطن عندما يقع تحت سيطرة فكرة ملحة أو رغبة عارمة في العثور على شيء ما كاالذهب أو الماء ، فإنه يرسل إشارات عصبية دقيقة وخفية جدا إلى العضلات الهيكلية الصغيرة في اليدين .
هذه الحركات الميكروية لا يشعر بها الإنسان واعيا ، لكنها تكون كافية تماما لتحريك أدوات الاستشعار شديدة الحساسية كالأسياخ النحاسية ، بناءً على ذلك ، فإن الخطأ العلمي الفادح الذي يرتكبه الباحث هو عدم تحقيق حالة التحييد النفسي الكامل ، فالمنقب الذي يدخل الميدان وهو يتمنى بشدة وجود معدن معين ، تجعل أسياخه تستجيب لأوهامه العقلية لا للواقع المادي ، ليصبح في النهاية مطاردا للسراب .
لذا فإن تصفية الذهن وعزل الرغبات الشخصية هما الشرطان الأساسيان لضمان تدفق الإشارات الفيزيائية الحقيقية الناتجة عن التفاعل بين الحقول المغناطيسية للتربة والمعادن وبين الطاقة الحيوية المنبعثة من الكائن البشري .
ولتجاوز هذه العقبات النفسية والجسدية التي تهدر الوقت والجهد ، يجب على خبير الأسياخ المحترف اتباع استراتيجية صارمة تتلخص في النقاط التالية :
-السكينة والتوكل : البدء بتهيئة النفس على الهدوء ، والتوكل التام على الله ، والابتعاد عن الشغف الزائد الذي يعمي البصيرة الميدانية .
-عزل العواطف : التدرب على مهارة فصل المشاعر عن حركة الأداة ، والدخول إلى الموقع بعقلية المستكشف المحايد الذي يبحث عن الحقيقة كما هي ، لا كما يشتهيها ، والشعور الذي هو الأصل في الإستشعار يجب أن يأتي فجائي على شكل حدس يقيني ، يتوافق مع الخبر الكيميائي للمادة المرغوقة .
-التثبيت الميداني المتعدد : تطبيق فحص الهدف من الجهات الأربع وتكراره في أوقات مختلفة لتفادي التغيرات المغناطيسية أو الكهربائية المفاجئة في التربة
-الجاهزية البدنية : تجنب العمل الميداني في حالات الإرهاق الشديد أو التعب ، لأن الجسد المجهد يفقد القدرة على ضبط التوازن العصبي الحركي .
من خلال تحقيق هذا التوازن الفريد بين الركائز الروحية واليقين ، وبين الحقائق العلمية والتجريبية ، تتحول الأسياخ من مجرد قطعتين من المعدن الصامت إلى امتداد لصاحبها ، تقوده نحو هدفه بثبات ونجاح .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها