وهم العقل الباطن
بسم الله الرحمان
الرحيم
وهم العقل الباطن
شهدت العقود الأخيرة تدفقا هائلا
للأفكار والمدارس التي تتمسح برداء التنمية البشرية وعلوم الطاقة ، مستندة في جل
أدبياتها إلى مفهوم سحري وجذاب يدعى العقل الباطن ، خيث تحول هذا المفهوم من مجرد
فرضية تفسيرية في علم النفس الكلاسيكي إلى كائن أسطوري وقوة مطلقة تعزى إليها المعجزات ، وتحمل عليها كل آمال
البشر وخيباتهم ، هذا غير أن الفحص الدقيق والمنهجي لهذه التصورات يكشف عن حجم
الخرافة والتشويه المعرفي الذي يمارسه مروجو هذه العلوم ، والذين منحوا هذا الجزء
الخفي من العقل قدرات خارقة لا سند لها من منطق أو علم ، لا ظاهريا ولا باطنيا .
أصول القصة وكيف تحول هذا المفهوم النفسي إلى
خرافة ؟
بدأ المفهوم يأخذ شكله الحديث مع
نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، خاصة مع أطروحات سيجموند فرويد
حول اللاوعي ، وكان فرويد يرى فيه مستودعا للمشاعر المكبوتة والذكريات المنسية
والدوافع الغريزية التي تؤثر على سلوك الإنسان دون وعي مباشر منه ، ولم يقل فرويد
يوما إن اللاوعي يمكنه تغيير قوانين الفيزياء أو جلب الثروات .
لكن المدارس الروحانية الحديثة
وحركات العصر الجديد تلقفت المصطلح ، وأعادت صياغته تحت مسمى العقل الباطن ، محولة
إياه من مخزن ديناميكي للذكريات والعمليات الحيوية التلقائية إلى مصباح علاء الدين
الداخلي ، حيث أصبح يصور في أدبيات الطاقة على أنه جهاز إرسال واستقبال كوني ،
يملك طاقة اهتزازية قادرة على إعادة تشكيل المادة ، وجذب الأحداث وتحقيق
المستحيلات بمجرد التفكير أو التوكيد اللفظي .
القدرات المزعومة التي تخرق قوانين المنطق
والفيزياء
تتعدد التصورات غير المنطقية التي
تروج لها هذه المدارس ، ومن أبرزها خطيئة قانون الجذب ، حيث تزعم هذه الفرضية أن
العقل الباطن يرسل ترددات إلى الكون ، وأن الكون يستجيب لهذه الترددات فيجذب
للإنسان ما يفكر فيه ، وهذا التصور يخلط بشكل فج بين العوامل النفسية السلوكية
وبين القوانين الفيزيائية الصارمة .
إن التفكير الإيجابي قد يحفز الإنسان
سلوكيا ، لكنه لا يملك سلطة فيزيائية على المادة أو على إرادات الآخرين .
الادعاء الآخر يتمثل في تصوير العقل
الباطن ككيان كلي القدرة وكلي المعرفة ويملك الشفاء التام من كل الأمراض العضوية
المستعصية بمجرد البرمجة اللغوية العصبية أو التأمل الوجداني ، ورغم أن الطب يعترف
بأثر الحالة النفسية على جهاز المناعة او ما يُعرف بالبلاسيبو أو الإيحاء ، إلا أن
تحويل هذا الأثر البيولوجي المحدود إلى قدرة مطلقة على إعادة بناء الخلايا التالفة
أو إلغاء الأورام دون تدخل طبي هو قفز في فراغ الخرافة ، ويشكل خطرا حقيقيا على
حياة البشر .
التناقض الظاهري والباطني للمفهوم
إذا قمنا بتحليل هذه الادعاءات
بنيويا ، سنجد أنها لا تصمد لا ظاهريا ولا باطنيا ، فلو كانت القدرات
المنسوبة للعقل الباطن حقيقية ، لكانت الشعوب الأكثر ممارسة للتأمل والتوكيدات هي
الأكثر ثراء وصحة واستقرارا ، والواقع يثبت أن النهوض الحضاري والمادي محكوم
بقوانين السعي المشهود والعمل والإنتاج والتخطيط العلمي ، وليس بالانكفاء على
الذات وانتظار استجابة الكون ، وأما على مستوى الاركيب النفسي والبيولوجي ، فإن علم
الأعصاب الحديث يثبت أن ما نسميه العمليات اللاوعية هو في الحقيقة وظائف حيوية
وتلقائية يقوم بها الدماغ لتوفير الطاقة الكيميائية كضربات القلب أو التنفس أو معالجة
البصر أو تخزين الذاكرة قصيرة المدى ، كلها عمليات تحدث دون وعي منا لأن الوعي
بطبيعته محدود السعة ، والدماغ في الحقيقة هو جهاز بيولوجي معقد محكوم بالروابط
العصبية والإشارات الكيميائية الكهربائيةو، وليس كيانا هلاميا يملك وعيا مستقلا أو
طاقة اهتزازية خارقة .
الآثار السلبية لإضفاء الهالة السحرية على العقل
الباطن
إن تضخيم دور العقل الباطن واعتباره
المسؤول الأول عن مصير الإنسان ينتج عنه جملة من التشوهات المعرفية والنفسية ، فعندما نقول للشخص
المريض أو الفقير إن عقلك الباطن هو من جذب لك هذه المعاناة بسبب أفكارك السلبية ،
فإننا نمارس عليه نوعا من السادية النفسية ، وهذا التصور يلغي تماما الظروف
الموضوعية ، والبيئية والاقتصادية والبيولوجية التي يتعرض لها الإنسان خارج إرادته
، وبدلا من مواجهة المشكلات بوضع خطط عملية واكتساب مهارات حقيقية ، يهرب الفرد
إلى العيش في الأوهام ، ممارسا جلسات التخيل ، ظنا منه أن هذا الجهد الذهني كاف
لتغيير واقعه ، ومن المرسف أن تربية الأجيال على أن التغيير يحدث عبر بوابات سحرية
غامضة تضعف ملكة النقد العلمي والتحليل المنطقي ، وتجعل المجتمعات لقمة سائغة
للدجل المعرفي والمالي الذي يمارسه مدعو التدريب والاستشارات .
إن نقد خرافة العقل الباطن لا يعني
بحال من الأحوال التقليل من شأن النفس البشرية أو إمكاناتها الإبداعية ، للإنسان
طاقات هائلة كامنة ، متمثلة في قدرته على التعلم والتكيف وتطوير سلوكه وتغيير
قناعاته الفكرية التي تؤثر بدروها على قراراته اليومية ، لكن شتان بين استثمار هذه
القدرات عبر السعي الواعي والانضباط السلوكي وبين إحالة القيادة إلى قوة باطنية
سحرية مزعومة تملك مفاتيح الكون .
إن احترام العقل البشري يبدأ من وضعه
في سياقه الطبيعي والبيولوجي ، والاعتراف بحدوده وقوانينه ، فالوعي الحقيقي هو
الذي يحرر الإنسان من الوهم ، وليس الذي يغرقه في خرافات تتدثر تارة بالدين وتارة
أخرى بالعلم الزائف .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها