التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقل المادي واللامادي

العقل المادي واللامادي
العقل المادي واللامادي


ترجع جذور العقل اللامادي إلى الفلسفات القديمة ، كالفلسفة اليونانية والهندوسية والإسلامية المبكرة ، ولكنها تبلورت بشكل ملحوظ مع بداية العصر الحديث ، إذ يعد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت من أبرز من وضع أسس هذا الطرح عبر ما يعرف بالثنائية الديكارتية ، حيث اقترح تقسيم الوجود البشري إلى جوهرين مستقلين ، الأول هو الجوهر المادي الممتد ، بما فيه الجسد والدماغ اللذان يخضعان للقوانين الفيزيائية ويشغلان حيزا مكانيا ، والثاني هو الجوهر المفكر والمستقل ، وهو العقل الذي يحمل الأفكار والوعي دون أن يكون له حجم أو وزن أو أن يشغل موقعا مكانيا .

​فلما نتأمل هذا الطرح نلاحظ أن الحجة الرئيسية تعتمد على طبيعة التجربة الذاتية ، فعندما يفكر الإنسان في معنى العدالة أو يشعر بالحزن والأسى ، فإن هذه الحالة الذهنية تتميز بخصوصية فردية لا يمكن لمسها أو قياسها بوجوه المادة التقليدية ، وكأننا نحاول فك تشفير شيء آثيري وغير ملموس ، حيث شهدت علوم الأعصاب في القرن الأخير قفزات هائلة في فهم آلية عمل الدماغ ، وأصبحت التقنيات الحديثة قادرة على مسح الدماغ وتحديد المناطق التي تنشط عند التفكير أو الانفعال أو الحزن والغضب ، ولاكن بالرغم من هذا التقدم المذهل يرى أصحاب طرح العقل اللامادي أن العلم الحديث يواجه معضلة مفهومية كبيرة جدا وعويصة ، إذ تتلخص نظريا في أن الارتباط لا يعني التطابق ، ووجود نشاط كهربائي في الدماغ بالتزامن مع إدراك لون معين لا يعني أن النشاط الكهربائي هو نفسه تجربة رؤية اللون ، وكذلك المعظلة الثانية تتلخص في المشكلة الصلبة للوعي ، خيث يفرق الفلاسفة بين تفسير الوظائف الحيوية للدماغ وبين تفسير كيفية نشوء الشعور الداخلي الذاتي من خلايا بيولوجية صامتة ، فالمشاعر الشخصية المباشرة مثل طعم الفاكهة أو شعور الألم تظل عصية على الوصف الفيزيائي الكامل مهما بلغت دقة الأجهزة المتقدمة .

ومن بين أكبر التحديات التي واجهت وتواجه نظريات العقل اللامادي هي كيفية التأثير المتبادل ، إذا كان العقل غير مادي ولا يخضع للمكان فكيف يستطيع تحريك الجسد المادي ، وإذا كان الجسد ماديا فكيف يؤثر التعب أو المرض البيولوجي على التفكير العقلي ، وتعددت المحاولات لتفسير هذا التفاعل ، فهناك من يقول أن العقل والدماغ يؤثر كل منهما في الآخر عبر نقاط اتصال دقيقة داخل جهازنا العصبي ، ومنهم من يقول أن التغيرات المادية والذهنية تسير جنب جنبا دون أن يتسبب أحدهما في الآخر مباشرة ومنهم من قال أن المادة تنتج الوعي لكن هذا الوعي يكتسب صفات خاصة تتجاوز المادة نفسها ، وكل إناء ينضخ بما فيه ، ولاكن لما نأتي إلى النظرة الشاملة نحاول أن نوازي بين العلم والفلسفة ، إذ لا يعني القول بوجود عقل لامادي التقليل من شأن الاكتشافات الطبية العظيمة أو إنكار دور الدماغ المحوري في حياتنا ، وإنما يهدف هذا الاتجاه إلى التذكير بأن تجربة الوجود البشري قد تكون أوسع من التبسيط المادي المباشر ، ويبقى العقل اللامادي جسرا بين العلم والفلسفة ، إلى أن تقوم الساعة ، هو دعوة للتأمل في سر الوعي والتواضع أمام أحد أعظم الأسرار التي يحملها الإنسان داخل كينونته .

وفي الرؤية القرآنية والدينية السديدة نرى أن العقل ليس جوهرا مستقلا بحد ذاته أو غاية في ذاته بل هو فعل وتدبر يربط بين ما نراه بالعين وما ندركه بالقلب والبصيرة ، إذ تتضح هذه الوظيفة الجسرية للعقل في قوله تعالى "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ" ، حيث يتبدى عالم الشهادة في المظاهر المادية المشهودة بينما يمثل أولو الألباب الجسر العقلي الذي ينتقل عبره الإنسان من مجرد النظر الظاهري إلى إدراك الغاية والحق الإلهي ، وكذلك يتجلى هذا المعنى في قوله عز وجل {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} ، فالأمثال كلمات ومظاهر تسمع وتقرأ في عالم الحق لكن الاستبصار بمغزاه الإيماني يقتضي استثمار العقل الذي يفك شفرة المادة ليصل إلى جوهر الحق .

​كما تؤكد الآية الكريمة "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" ، أن النظر الحسي في الأرض لا يكفي بل إن العقل المقترن بالقلب هو الذي يحول المشاهدات المادية إلى وعي ينفذ إلى عالم الحق ، فإذا تعطل هذا الجسر العقلي أصبحت الجوارح الحسية عاجزة عن رؤية الحقيقية ، والقلب فيما معناه هو الجزئ الذي من وضائفه العقل والتعقل ، وبذلك يقف العقل في المنتصف يستقبل معطيات عالم الشهادة عبر الحواس ليترجمها عبر التدبر والتعقل إلى إيمان يقيني بحقائق عالم الغيب والملكوت .

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات ​تعد ظاهرة استخدام أسياخ النحاس في البحث والكشف عن الفراغات والمعادن في باطن الأرض من أكثر المواضيع جدلا بين الأوساط العلمية والباحثين الميدانيين ، إذ يتأرجح تقييم هذه الأداة البدائية بين من يراها وسيلة استشعارية فعالة تعتمد على التقاط مجالات غير مرئية ، وبين من يصنفها علميا ضمن الظواهر النفسية الحركية التي لا تمتلك أي أساس فيزيائي صلب ، مما يفتح الباب واسعا لتفكيك هذه الممارسة وفصل الحقائق العلمية عن الادعاءات الخرافية . ​الآلية الفيزيائية لنمو الفراغات الأرضية وتأثيرها على السطح ​من الناحية الجيولوجية والفيزيائية ، فإن الفراغات والمغارات أو المدافن تحت الأرض تحدث خللا في تجانس التربة المحيطة بها ، حيث تتميز هذه الفراغات باختلاف كثافتها بشكل حاد مقارنة بالصخور أو الرمال التي تطوقها ، هذا التباين في الكثافة يؤدي بالضرورة إلى تغيرات طفيفة في القياسات الجيوفيزيائية مثل المقاومية الكهربائية للتربة ، وشذوذ الجاذبية المحلية ، وحتى تدفق الغازات الطبيعية كالميثان أو الرادون...

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية بسم الله الرحمان الرحيم كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية ​لقد سبق وتناولنا مواضيع جمة فيما يخص طرق الكشف والبحث بأسياخ النحاس ، وكذا المفاهيم الفيزيائية والبيولوجية التي تحكم الواقع الميداني وحركات الأسياخ ، لكن الطبيعة دائما ما تمنحنا أبعادا عميقة تجعلنا نتأمل في خفايا العلوم ، فالعمل الميداني ليس مجرد حركة آلية ، بل هو تفاعل حيوي متكامل . إن ما نتعلمه في العلوم التقليدية يكتمل عندما نفهم طاقة الوعي الإنساني ، وهناك دائما مقاربات تجمع بين فيزياء المادة وقوة العقل ، فالعلم الحقيقي هو إدراك الشيء على ما هو عليه ، وللعمل الميداني قواعد فكرية وتقنية يجب استيعابها قبل خوض غمار التجارب والمغامرات ، لذا سنتطرق في هذه المقالة إلى كيفية البحث عن الدفائن والكنوز بطريقة احترافية في الأماكن المشبوهة ، بالاعتماد على التوازن بين طاقة العقل واستجابة الأسياخ النحاسية ، للوصول إلى الهدف المنشود بكل دقة وسهولة . ​_مكان البحث : ​نعلم جميعا أن أسياخ النحاس تعمل كأداة استشعار دقيقة تشبه البوصلة في حساسيتها ، فهي تتأثر بالحقول الترددية والكهرومغناطيسية ا...

الحساسية الفيزيائية الحيوية للمجالات المغناطيسية النحاس

الحساسية الفيزيائية الحيوية للمجالات المغناطيسية الحساسية الحيوية للمجالات المغناطيسية تمثل الحساسية الحيوية للمجالات المغناطيسية واحدة من أكثر المساحات إثارة للبحث في مجالات البيوفيزياء وعلم الأعصاب الحديث ، فبينما كان السائد قديما أن الكائن البشري يتحسس محيطه فقط عبر بوابة الحواس الخمس الكلاسيكية ، جاءت أبحاث البيولوجيا المغناطيسية لتكشف عن وجود طبقات إدراكية أكثر عمقاً تعتمد على تفاعل الأنسجة الحية مع الحقول الفيزيائية المحيطة بها ، وتحديدا من خلال أثر مركب الماغنيتيت في البنية الدماغية للإنسان . ​تعتمد استجابة الأنسجة الحية للمجالات المغناطيسية على حقيقة أن الخلايا ليست مجرد كتل كيميائية حيوية ، بل هي منظومات كهرومغناطيسية دقيقة تصدر شحنات وتتأثر بالمؤثرات الفيزيائية الخارجية ، فالأغشية الخلوية والقنوات الأيونية تتأثر بالتدفقات المغناطيسية ، مما يؤثر على النفاذية وعلى حركة الأيونات مثل الكالسيوم والصوديوم ، وهذا التفاعل على المستوى الخلوي يوضح أن الجسد البشري يمتلك القدرة الفيزيولوجية على تسجيل التغيرات في البيئة المغناطيسية المحيطة ، حتى وإن لم يترجم ذلك دائماً إلى إدراك بصري أو...