التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود العقل الباطن بين البرمجة الحقيقية وكشف المغيبات

حدود العقل الباطن بين البرمجة الحقيقية وكشف المغيبات 

تجربتنا بسيطة جدا وتتلخص في 20 ظرف مرقمة من 1 إلى غاية 20 ، بحيث يوجد ظرف مميز بداخله معدن مجهول ؟ ومن خلال قدرة العقل الباطن والاستعانة به نود معرفة رقم الظرف ونوع المعدن الذي يوجد بداخله ؟
العقل الباطن

مرحباً بكم نحن اليوم بصدد مناقشة تجربة علمية فريدة من نوعها ، تسعى إلى تصحيح بعض الأخطاء الشائعة في عالم الاستشعار وعلم النفس السلوكي ، إن الهدف من هذه القراءة هو إعادة صياغة مفهوم العقل الباطن أو العقل اللاواعي ووضعه في مساره العلمي الصحيح ، بعيدا عن المبالغات التي تصدرت بعض المؤلفات التجارية والكتب المترجمة ، والتي انساق وراءها الكثيرون دون تمحيص منطقي ، مما أدى إلى خلط واضح يتناقض أحياناً مع حقائق العلم وثوابت الدين الحنيف .

​والحقيقة التي نود إثباتها للعالم هي أن العقل الباطن ليس قوة خارقة قادرة على كشف المغيبات أو إدراك الأمور المجهولة التي تقع خارج نطاق الحس الإنساني ، إن العقل الباطن في جوهره ليس ساحراً ، بل هو نظام برمجة متطور ومخزن هائل للمعلومات والتجارب ، وبالتالي لا يمكن لعملية الاستشعار أو البحث الآلي أن تتم من خلاله إلا بناء على بيانات مادية مسبقة تم إدخالها وتخزينها في الذاكرة عبر الحواس الخمس السمع ، البصر ، اللمس ، الشم ، التذوق .

​ولتقريب هذا المفهوم علمياً ، دعونا نوضح كيف يعمل العقل الباطن كعنصر برمجة من خلال مثال مادي مألوف : تعلم قيادة السيارة .

في المرحلة الابتدائية ، يكون العقل الواعي هو المتحكم ، يشعر المتدرب بالارتباك والتوتر لأنه يركز في كل حركة الضغط على المكابح ، توجيه المقود ، مراقبة الطريق ، ولكن مع الممارسة الميدانية والتكرار المستمر ، تنتقل هذه المهارة وتسجل في العقل الباطن على شكل برمجة تلقائية . بعد الوصول إلى مرحلة الاحتراف ، يمكن للشخص أن يقود سيارته لمسافات طويلة وهو في حالة شرود ذهني ، حيث ينوب العقل الباطن المؤهل والمبرمج عن العقل الواعي في إدارة الحركات الجسدية بدقة متناهية وبدون تفكير واع .

​هذا هو الدور الحقيقي للعقل الباطن : إنه يستدعي الصور ، والروائح ، والأصوات ، والحركات المخزنة مسبقا بدقة عالية جدا ، ويترجمها إلى استجابات حركية دقيقة وهو ما يفسر نجاح الإنسان في العثور على أشيائه المفقودة كالمفاتيح أو الهاتف في محيطه المألوف ، لأن عقله الباطن قد سجل موضعها تلقائيا دون أن ينتبه العقل الواعي .

​بالمقابل عندما نأتي إلى تجربة استشعار المعادن عن بعد أو كشف محتويات مغلقة ، يتضح لنا وهم القدرات الخارقة. لنأخذ تجربة عملية بسيطة ، لو قمنا بوضع 20 ظرفا مرقما ، ووضعنا في أحدها معدنا مجهولا تماما لم يره الباحث من قبل ولم يلمسه ، وطلب من العقل الباطن تحديد رقم الظرف ونوع المعدن ، فإن النتيجة الحتمية ستخضع تماما لقانون الاحتمالات الرياضية العشوائية .

​علميا العقل غير قادر على كشف نوع المعدن في هذه الحالة لأن نظام البرمجة لديه يفتقر إلى المعطيات المادية المدخلات الحسية الخاصة بهذا الظرف تحديدا .

إن القول بأن العقل الباطن يرسل موجات التخاطر في الفضاء ليتعرف على جماد مجهول هو افتراض يفتقر إلى السند الفيزيائي المعتمد ، فالأبحاث أثبتت أن أي نجاح في مثل هذه التجارب المغلقة لا يتعدى كونه صدفة عشوائية محضة تقع ضمن نسب الاحتمالات الرياضية مثل نسبة 1 إلى 20 ، وتزداد النسبة فشلا واستحالة كلما زاد عدد الاحتمالات والمتغيرات .

​لذلك يجب أن نميز بوضوح بين أمرين :

  1. ​الاستشعار المبني على البرمجة والخبرة المادية : مثل قدرة الخبراء على تحديد أماكن المياه الجوفية أو الآثار بناء على علامات ومؤشرات جغرافية وحسية اختزنها عقلهم الباطن عبر سنوات من الممارسة الميدانية ، والفراسة ، والربط المنطقي .
  2. ​الادعاءات القائمة على كشف الغيب : وهي التوهم بأن العقل الباطن يملك قنوات اتصال غيبية تتخطى حدود الزمان والمكان بدون معطيات مادية .

​إننا كأمة إسلامية ، وبناء على القواعد العلمية والشرعية ، يجب أن نرفض هذه الأفكار الدخيلة والمبهمة التي تروج لها بعض كتب التنمية البشرية التجارية ، والتي تخلط عمدا بين العقل الباطن وبين مفاهيم غيبية وصوفية لا أساس لها . إن الغيب مطلق لله عز وجل ، والعقل الباطن ما هو إلا أداة بيولوجية مذهلة سخرها الله لنا لتخزين التجارب وبرمجة العادات وتسهيل الحياة اليومية بناء على السعي والممارسة المادية ، وهناك فرق شاسع وعميق بين الحكمة والفراسة المبنية على العلم ، وبين الأوهام والادعاءات التي تضرب في مصداقية العقل والدين على حد سواء .

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات ​تعد ظاهرة استخدام أسياخ النحاس في البحث والكشف عن الفراغات والمعادن في باطن الأرض من أكثر المواضيع جدلا بين الأوساط العلمية والباحثين الميدانيين ، إذ يتأرجح تقييم هذه الأداة البدائية بين من يراها وسيلة استشعارية فعالة تعتمد على التقاط مجالات غير مرئية ، وبين من يصنفها علميا ضمن الظواهر النفسية الحركية التي لا تمتلك أي أساس فيزيائي صلب ، مما يفتح الباب واسعا لتفكيك هذه الممارسة وفصل الحقائق العلمية عن الادعاءات الخرافية . ​الآلية الفيزيائية لنمو الفراغات الأرضية وتأثيرها على السطح ​من الناحية الجيولوجية والفيزيائية ، فإن الفراغات والمغارات أو المدافن تحت الأرض تحدث خللا في تجانس التربة المحيطة بها ، حيث تتميز هذه الفراغات باختلاف كثافتها بشكل حاد مقارنة بالصخور أو الرمال التي تطوقها ، هذا التباين في الكثافة يؤدي بالضرورة إلى تغيرات طفيفة في القياسات الجيوفيزيائية مثل المقاومية الكهربائية للتربة ، وشذوذ الجاذبية المحلية ، وحتى تدفق الغازات الطبيعية كالميثان أو الرادون...

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية بسم الله الرحمان الرحيم كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية ​لقد سبق وتناولنا مواضيع جمة فيما يخص طرق الكشف والبحث بأسياخ النحاس ، وكذا المفاهيم الفيزيائية والبيولوجية التي تحكم الواقع الميداني وحركات الأسياخ ، لكن الطبيعة دائما ما تمنحنا أبعادا عميقة تجعلنا نتأمل في خفايا العلوم ، فالعمل الميداني ليس مجرد حركة آلية ، بل هو تفاعل حيوي متكامل . إن ما نتعلمه في العلوم التقليدية يكتمل عندما نفهم طاقة الوعي الإنساني ، وهناك دائما مقاربات تجمع بين فيزياء المادة وقوة العقل ، فالعلم الحقيقي هو إدراك الشيء على ما هو عليه ، وللعمل الميداني قواعد فكرية وتقنية يجب استيعابها قبل خوض غمار التجارب والمغامرات ، لذا سنتطرق في هذه المقالة إلى كيفية البحث عن الدفائن والكنوز بطريقة احترافية في الأماكن المشبوهة ، بالاعتماد على التوازن بين طاقة العقل واستجابة الأسياخ النحاسية ، للوصول إلى الهدف المنشود بكل دقة وسهولة . ​_مكان البحث : ​نعلم جميعا أن أسياخ النحاس تعمل كأداة استشعار دقيقة تشبه البوصلة في حساسيتها ، فهي تتأثر بالحقول الترددية والكهرومغناطيسية ا...

الحساسية الفيزيائية الحيوية للمجالات المغناطيسية النحاس

الحساسية الفيزيائية الحيوية للمجالات المغناطيسية الحساسية الحيوية للمجالات المغناطيسية تمثل الحساسية الحيوية للمجالات المغناطيسية واحدة من أكثر المساحات إثارة للبحث في مجالات البيوفيزياء وعلم الأعصاب الحديث ، فبينما كان السائد قديما أن الكائن البشري يتحسس محيطه فقط عبر بوابة الحواس الخمس الكلاسيكية ، جاءت أبحاث البيولوجيا المغناطيسية لتكشف عن وجود طبقات إدراكية أكثر عمقاً تعتمد على تفاعل الأنسجة الحية مع الحقول الفيزيائية المحيطة بها ، وتحديدا من خلال أثر مركب الماغنيتيت في البنية الدماغية للإنسان . ​تعتمد استجابة الأنسجة الحية للمجالات المغناطيسية على حقيقة أن الخلايا ليست مجرد كتل كيميائية حيوية ، بل هي منظومات كهرومغناطيسية دقيقة تصدر شحنات وتتأثر بالمؤثرات الفيزيائية الخارجية ، فالأغشية الخلوية والقنوات الأيونية تتأثر بالتدفقات المغناطيسية ، مما يؤثر على النفاذية وعلى حركة الأيونات مثل الكالسيوم والصوديوم ، وهذا التفاعل على المستوى الخلوي يوضح أن الجسد البشري يمتلك القدرة الفيزيولوجية على تسجيل التغيرات في البيئة المغناطيسية المحيطة ، حتى وإن لم يترجم ذلك دائماً إلى إدراك بصري أو...