حدود العقل الباطن بين البرمجة الحقيقية وأوهام كشف المغيبات رؤية علمية وشرعية
![]() |
| العقل الباطن |
مرحباً بكم نحن اليوم بصدد مناقشة تجربة
علمية فريدة من نوعها ، تسعى إلى تصحيح بعض الأخطاء الشائعة في عالم الاستشعار وعلم
النفس السلوكي ، إن الهدف من هذه القراءة هو إعادة صياغة مفهوم العقل الباطن أو العقل
اللاواعي ووضعه في مساره العلمي الصحيح ، بعيدا عن المبالغات التي تصدرت بعض
المؤلفات التجارية والكتب المترجمة ، والتي انساق وراءها الكثيرون دون تمحيص منطقي
، مما أدى إلى خلط واضح يتناقض أحياناً مع حقائق العلم وثوابت الدين الحنيف .
والحقيقة التي نود إثباتها للعالم هي
أن العقل الباطن ليس قوة خارقة قادرة على كشف المغيبات أو إدراك الأمور المجهولة
التي تقع خارج نطاق الحس الإنساني ، إن العقل الباطن في جوهره ليس ساحراً ، بل هو نظام
برمجة متطور ومخزن هائل للمعلومات والتجارب ، وبالتالي لا يمكن لعملية الاستشعار
أو البحث الآلي أن تتم من خلاله إلا بناء على بيانات مادية مسبقة تم إدخالها
وتخزينها في الذاكرة عبر الحواس الخمس السمع ، البصر ، اللمس ، الشم ، التذوق .
ولتقريب هذا المفهوم علمياً ، دعونا
نوضح كيف يعمل العقل الباطن كعنصر برمجة من خلال مثال مادي مألوف : تعلم قيادة
السيارة .
في المرحلة الابتدائية ، يكون العقل
الواعي هو المتحكم ، يشعر المتدرب بالارتباك والتوتر لأنه يركز في كل حركة الضغط
على المكابح ، توجيه المقود ، مراقبة الطريق ، ولكن مع الممارسة الميدانية
والتكرار المستمر ، تنتقل هذه المهارة وتسجل في العقل الباطن على شكل برمجة
تلقائية . بعد الوصول إلى مرحلة الاحتراف ، يمكن للشخص أن يقود سيارته لمسافات
طويلة وهو في حالة شرود ذهني ، حيث ينوب العقل الباطن المؤهل والمبرمج عن العقل
الواعي في إدارة الحركات الجسدية بدقة متناهية وبدون تفكير واع .
هذا هو الدور الحقيقي للعقل الباطن :
إنه يستدعي الصور ، والروائح ، والأصوات ، والحركات المخزنة مسبقا بدقة عالية جدا ،
ويترجمها إلى استجابات حركية دقيقة وهو ما يفسر نجاح الإنسان في العثور على أشيائه
المفقودة كالمفاتيح أو الهاتف في محيطه المألوف ، لأن عقله الباطن قد سجل موضعها
تلقائيا دون أن ينتبه العقل الواعي .
بالمقابل عندما نأتي إلى تجربة استشعار
المعادن عن بعد أو كشف محتويات مغلقة ، يتضح لنا وهم القدرات الخارقة. لنأخذ تجربة
عملية بسيطة ، لو قمنا بوضع 20 ظرفا مرقما ، ووضعنا في أحدها معدنا مجهولا تماما لم
يره الباحث من قبل ولم يلمسه ، وطلب من العقل الباطن تحديد رقم الظرف ونوع المعدن
، فإن النتيجة الحتمية ستخضع تماما لقانون الاحتمالات الرياضية العشوائية .
علميا العقل غير قادر على كشف نوع
المعدن في هذه الحالة لأن نظام البرمجة لديه يفتقر إلى المعطيات المادية المدخلات
الحسية الخاصة بهذا الظرف تحديدا .
إن القول بأن العقل الباطن يرسل موجات
التخاطر في الفضاء ليتعرف على جماد مجهول هو افتراض يفتقر إلى السند الفيزيائي
المعتمد ، فالأبحاث أثبتت أن أي نجاح في مثل هذه التجارب المغلقة لا يتعدى كونه صدفة
عشوائية محضة تقع ضمن نسب الاحتمالات الرياضية مثل نسبة 1 إلى 20 ، وتزداد النسبة
فشلا واستحالة كلما زاد عدد الاحتمالات والمتغيرات .
لذلك يجب أن نميز بوضوح بين أمرين :
- الاستشعار
المبني على البرمجة والخبرة المادية : مثل قدرة الخبراء على تحديد أماكن
المياه الجوفية أو الآثار بناء على علامات ومؤشرات جغرافية وحسية اختزنها
عقلهم الباطن عبر سنوات من الممارسة الميدانية ، والفراسة ، والربط المنطقي .
- الادعاءات
القائمة على كشف الغيب : وهي التوهم بأن العقل الباطن يملك قنوات اتصال غيبية
تتخطى حدود الزمان والمكان بدون معطيات مادية .
إننا كأمة إسلامية ، وبناء على القواعد
العلمية والشرعية ، يجب أن نرفض هذه الأفكار الدخيلة والمبهمة التي تروج لها بعض
كتب التنمية البشرية التجارية ، والتي تخلط عمدا بين العقل الباطن وبين مفاهيم
غيبية وصوفية لا أساس لها . إن الغيب مطلق لله عز وجل ، والعقل الباطن ما هو إلا
أداة بيولوجية مذهلة سخرها الله لنا لتخزين التجارب وبرمجة العادات وتسهيل الحياة
اليومية بناء على السعي والممارسة المادية ، وهناك فرق شاسع وعميق بين الحكمة
والفراسة المبنية على العلم ، وبين الأوهام والادعاءات التي تضرب في مصداقية العقل
والدين على حد سواء .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها