التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السر في الذات وليس في الأداة(النفس)

 

السر في الذات وليس في الأداة(النفس)


​هناك سؤال قديم جدا يراود الفكر الإنساني ، ويجبره في لحظات تأمل عميق بطرح أسئلة وجودية : هل الإنسان مجرد تفاعلات كيميائية وأعصاب داخل الجسد ، أم أنه روح ونفس تعيش بداخله لفترة مؤقتة ؟

​هنا يظهر هذا التساؤل بوضوح عندما نمر بلحظات الألم ، فالبعض يرى أن الألم مجرد إشارات كهربائية تنتقل عبر شبكة معقدة من الأعصاب ، بينما تؤكد الفلسفة والعلم المتقدم والقرآن الكريم أن الألم تجربة حقيقية تعيشها النفس العاقلة ، وأن الجسد ليس إلا أداة تنقل هذا الشعور .

​فإذا نظرنا إلى آراء الفلاسفة وتشعبات الفكر ، نجد أن توما الأكويني وابن سينا أشارا إلى أن الجسد بدون النفس مجرد مادة لا قيمة لها ولا تشعر بأي ألم ، وفي الفلسفة الحديثة تبرز فكرة الزومبي الفلسفي ، وهي تفترض وجود كائن يملك جسدا ودماغا يعملان بدقة ، ولكنه يفتقر تماما إلى النفس والوعي ، وهذا الكائن لن يشعر بأي ألم مهما ضربته ، مما يثبت أن الجسد مجرد آلة ، وأن النفس هي التي تحس وتتألم .

​علميا يظهر ذلك في تأثير البلاسبو أو التأثير الوهمي المعاكس ، ففي تجارب الأبحاث عندما يوهم الطبيب مريضا بأن دواء معينا سيسبب له آلاما حادة ، يبدأ المريض بالشعور بألم حقيقي وتشنجات عظلية ، رغم أنه تناول مجرد حبة سكر لا ضرر فيها ولا أثر كيميائي لها ، هنا نرى كيف أن النفس صدقت الوهم وآمن به ، فتأثر الجسد واستجاب لها ، وفي حالات التخدير الموضعي ، يتم قطع الاتصال العصبي ، فيتعرض الجسد للقطع بالمشرط دون أن تشعر النفس بأي شيء وكأن الجسد مجمد ، مما يعني أن غياب الوعي والنفس يلغي وجود الألم تماما حتى لو تضرر الجسد .

​وحين نستضيء بنور القرآن الكريم ، نجد أنه يوضح أن المسؤولية والشعور هما للنفس بالأساس ، فعندما يتحدث عن عذاب أهل النار كقوله تعالى : "وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" ، فالقطع يقع على الأمعاء كجسد ، ولكن الإحساس الفعلي بالعذاب يرجع إلى النفس التي يتفرد بها الوعي ، كما يؤكد القرآن أن الثواب والعقاب للنفس في لقوله سبحانه وتعالى : "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" ، فالجوارح مجرد أدوات تنفذ أوامر النفس لا أقل ولا أكثر .

​وفي السنة النبوية ، يصف الحديث الشريف خروج روح المؤمن عند الموت بأنها تسيل كما تسيل القطرة من السقاء ، فالماء هو الروح والوعاء هو الجسد ، إذا أفرغ الوعاء من الماء وأصبح فارغا ، فلن يشعر الوعاء لو كسر أو قطع ، وهذا ما يؤكده الإمام فخر الدين الرازي حين ذكر أن الإنسان في الحقيقة هو النفس المدركة والمحركة ، والبدن مجرد آلة ، مشيراًط إلى أن النفس إذا انشغلت بالخوف من الله أو الهيبة الإلهية ، قد تتكتم جوارحها وتتعطل عن الإحساس بالضربات والجراح الجسدية .

​والخلاصة أخي الكريم هي أن الفلسفة والعلم والدين يتفقون على حقيقة واحدة ، فنحن لسنا مجرد أجساد من عظام ولحم ، بل نحن أرواح تعيش داخل هذا الجسد ، وكل ألم نمر به ، سواء كان وخزة إبرة أو حزنا على فراق ، فهو خطاب يمس أنفسنا بالدرجة الأولى ، لأن الجسد سيعود يوما إلى التراب ، بينما تبقى النفس لتواجه مصيرها بناء على ما قدمته في رحلتها .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات ​تعد ظاهرة استخدام أسياخ النحاس في البحث والكشف عن الفراغات والمعادن في باطن الأرض من أكثر المواضيع جدلا بين الأوساط العلمية والباحثين الميدانيين ، إذ يتأرجح تقييم هذه الأداة البدائية بين من يراها وسيلة استشعارية فعالة تعتمد على التقاط مجالات غير مرئية ، وبين من يصنفها علميا ضمن الظواهر النفسية الحركية التي لا تمتلك أي أساس فيزيائي صلب ، مما يفتح الباب واسعا لتفكيك هذه الممارسة وفصل الحقائق العلمية عن الادعاءات الخرافية . ​الآلية الفيزيائية لنمو الفراغات الأرضية وتأثيرها على السطح ​من الناحية الجيولوجية والفيزيائية ، فإن الفراغات والمغارات أو المدافن تحت الأرض تحدث خللا في تجانس التربة المحيطة بها ، حيث تتميز هذه الفراغات باختلاف كثافتها بشكل حاد مقارنة بالصخور أو الرمال التي تطوقها ، هذا التباين في الكثافة يؤدي بالضرورة إلى تغيرات طفيفة في القياسات الجيوفيزيائية مثل المقاومية الكهربائية للتربة ، وشذوذ الجاذبية المحلية ، وحتى تدفق الغازات الطبيعية كالميثان أو الرادون...

فرضية القرن

  فرضية القرن فرضية القرن مرحبا : اليوم جئنا وفي جعبتنا فرضية مهمة جدا في خضم المنافسة التي تعتلي صناعة هذا المحتوى ، فرضية سنحاول من خلالها أن نستسقي استنتاجات مهمة جدا تخلي لنا النظر إلى علم الإستشعار بزاوية حقة ، وللبدئ ندعوا جموع المتابعين إلى ضرورة التركيز الجيد حتى يتبين لكم التسلل أين يقع ، ولتعلموا أن السر في الذات وليس في الأداة . فرضيتنا تقول : لدينا مجال مفتوح أو أرض زراعية سنفترضها هي الميدان الحقيقي الذي سنقيم عليه تجاربنا ، ثم جئنا فأنشأنا ثلاث أهداف حقيقية على طول هذه الأرض ، لنحاكي بذالك البحث الميداني الحقيقي ، كل هدف وضعناه في زاوية مختلفة ، الهدف الأول كان عبارة عن جرة وبها معدن الفضة وضعناها جهة الشمال ، والهدف الثاني وضعناه باتجاه الشمال الغربي وهو عبارة عن فراغ بشري ، ثم انتقلنا إلى جهة الجنوب الغربي فوضعنا هدف كان عبارة عن قبر به بعضا من عظام الحيوانات ، كل هذه الأهداف وضعناها بغية إقامة التجارب الميدانية عليها ، ثم بعد الإنتهاء من وضع كل هذه الأهداف طمسنا معالم الموقع حتى صار الميدان يتبين وكأنه يطابق الحقيقة ، ثم بعد الإنتهاء من عملنا هذا أحضرنا خبير اس...

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية بسم الله الرحمان الرحيم كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية ​لقد سبق وتناولنا مواضيع جمة فيما يخص طرق الكشف والبحث بأسياخ النحاس ، وكذا المفاهيم الفيزيائية والبيولوجية التي تحكم الواقع الميداني وحركات الأسياخ ، لكن الطبيعة دائما ما تمنحنا أبعادا عميقة تجعلنا نتأمل في خفايا العلوم ، فالعمل الميداني ليس مجرد حركة آلية ، بل هو تفاعل حيوي متكامل . إن ما نتعلمه في العلوم التقليدية يكتمل عندما نفهم طاقة الوعي الإنساني ، وهناك دائما مقاربات تجمع بين فيزياء المادة وقوة العقل ، فالعلم الحقيقي هو إدراك الشيء على ما هو عليه ، وللعمل الميداني قواعد فكرية وتقنية يجب استيعابها قبل خوض غمار التجارب والمغامرات ، لذا سنتطرق في هذه المقالة إلى كيفية البحث عن الدفائن والكنوز بطريقة احترافية في الأماكن المشبوهة ، بالاعتماد على التوازن بين طاقة العقل واستجابة الأسياخ النحاسية ، للوصول إلى الهدف المنشود بكل دقة وسهولة . ​_مكان البحث : ​نعلم جميعا أن أسياخ النحاس تعمل كأداة استشعار دقيقة تشبه البوصلة في حساسيتها ، فهي تتأثر بالحقول الترددية والكهرومغناطيسية ا...