التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوى النفس الإدراكية وسياقاتها العصبية

  

قوى النفس الإدراكية وسياقاتها العصبية

بسم الله الرحمان الرحيم

العقل الباطن

قوى النفس الإدراكية وسياقاتها العصبية

​ينسب إلى الفيزيائي ألبرت أينشتاين مقولة مفادها أن : " المنطق سينقلك من النقطة أ إلى النقطة ب ، بينما الخيال سيأخذم إلى كل مكان ، وتمحيص هذه العبارة من منظور علوم الأعصاب الحديثة يوضح أن المنطق يمثل العمليات المعرفية التنفيذية المقيدة بآليات المحاكمة العقلية والتحليل الفوري ، وهو نشاط يتركز بشكل كبير في قشرة فص الجبهة ، مما يتيح للإنسان التنقل الممنهج بين المستويات الواعية لإدراك الواقع المادي وسبر أغواره بشكل موضوعي ، وفي المقابل فإن الخيال لا يحده هذا النطاق الضيق ، فهو يتخطى الإدراك الخطي المباشر ليحفز ما يعرف بشبكة الوضع التلقائي في الدماغ ، هذه الشبكة العصبية تنشط عندما ينفصل الإنسان عن المحفزات الخارجية ، وتعد المسؤولة عن التفكير الإبداعي ، الاستبطان الذاتي ، وتصور المستقبل ، وبناء على ذلك فإن توظيف الخيال والتأمل لا يعني الخروج إلى عوالم لا مادية بالمفهوم الميتافيزيقي ، بل هو تفعيل لقوى النفس الإدراكية العميقة التي تمتلك وعيا بنيويا خاصا بها يعمل في الخلفية لمعالجة التجارب وصياغة الهوية الذاتية ، وهذه المستويات المتقدمة من الإدراك تتطلب دراسة المنهجيات العلمية التي تمكننا من تهدئة الوعي اليقظ وتفعيل قوى المعالجة الخلفية للنفس .

​لقد أثبتت أبحاث التخطيط الدماغي أن فترات الانتقال بين اليقظة والنوم تشهد تحولا حاسما في النشاط الكهربائي للعقل ، وخلافا لبعض التصورات الشائعة ، فإن حالات الاسترخاء العميق والغفوة المبكرة  لا ترتبط بموجات غاما التي تعبر عن التركيز الشديد والحل المعقد للمشكلات بترددات تفوق 30 هيرتز ، بل ترتبط بشكل وثيق بموحات ألفا التي تتراوح بين 8 إلى 12 هيرتز وموجات ثيتا التي تتراوح بين 4 إلى 8 هيرتز .

​عندما يصل الدماغ إلى تردد 8 هيرتز ، تسترخي العضلات وينخفض نشاط الجهاز العصبي الودي ، مما يتيح لقوى النفس الإدراكية التحرر من ضوضاء المدخلات الحسية اليومية  للوصول إلى هذه الحالة ، وينصح بتهيئة بيئة هادئة خالية من المشتتات ، واتخاذ وضعية استلقاء مريحة تسمح بالانتقال السلس من الوعي التنفيذي إلى الوعي الاستبطاني ، حيث تعتمد تهدئة قوى الإدراك على تنظيم الرابطة الوثيقة بين العقل والجسد من خلال الجهاز العصبي اللاودي .

إن الاستماع إلى أصوات الطبيعة المنتظمة بالتزامن مع ممارسة التنفس البطني العميق تعمل على تحفيز العصب الحائر ، هذا التحفيز يؤدي تلقائيا إلى خفض معدل ضربات القلب وتقليل مستويات هرمون الكورتيزول ، وهذا التحول الفسيولوجي يغير النمط الكهرومغناطيسي لشبكات الدماغ ، مما يمنح النفس مساحة لتصفية الذهن من الضغوط وإعادة ترتيب الذاكرة الطويلة الأمد ، وبدلا من التفسيرات التاريخية غير المثبتة حول انفصال الوعي عن الجسد ، ينظر العلم الحديث إلى ممارسات مثل اليوغا نيدرا أو النوم الواعي باعتبارها أدوات قوية لتدريب الانتباه ، حيث تعتمد هذه التقنية الطبية على قيادة العقل عبر تركيز انتباه منظم وموجه نحو أجزاء الجسد والتنفس .

علميا ، تمنع هذه الطريقة الدماغ من الدخول في النوم الكامل مع إبقائه في حالة اليقظة المسترخية ، حيث تتيح هذه الحالة لقوى النفس الإدراكية من الوصول إلى ترسبات الذاكرة العميقة وتفكيك العقد النفسية دون تدخل من الأحكام النقدية الصارمة للعقل الواعي الظاهر ، مما يساهم في إعادة الهيكلة المعرفية الإيجابية وتحقيق التصالح الذاتي .

​إن ترويض قوى النفس الإدراكية وتوسيع آفاق وعيها الخاص ليس حدثا عفويا ، بل هو نتاج مواظبة مستمرة تؤدي إلى ما يعرف  بالمرونة العصبية ، وتشير الدراسات الطبية إلى أن التأمل المنتظم لفترات زمنية محددة يوميا يؤدي على المدى الطويل إلى زيادة سمك القشرة الدماغية في المناطق المسؤولة عن الانتباه والوعي الذاتي مثل المادة الرمادية في الجزيرة والقشرة الجبهية ، وفي نفس الوقت يقلل من تضخم الخلايا في اللوزة الدماغية المسؤولة عن مشاعر الخوف والقلق .

 


تعليقات