ظبط ميزان الحركة الذاتي
تعتبر رحلة البحث
والاستكشاف الميداني بأسياخ النحاس تجربة تتداخل فيها القدرات الجسدية مع الحالة
النفسية والذهنية للممارس ، حيث يتجلى في هذا المجال مصطلح محوري يعرف في الأوساط
العلمية بالحس العميق أو الشعور الداخلي ، وهو عبارة عن ومظة تسبق التحليل
والتصنيف العقلي المنطقي الصرف ، هذه الومضة تأتي محملة بكل المعلومات الغيبية
دفعة واحدة ، وتحمل كل ما يقتضيه برنامج البحث من الألف إلى الياء ، حتى حركات
الأسياخ تبنى على خلافها ، لكونها الشرارة التي تحفز العقل الباطن على الشروع في
تنفيذ البرنامج خطوة بخطوة ، أي بمعنى نبضة كهروكيميائية يدركها العقل بميزان ضبط
دقيق للغاية ، وهو ما سميناه بميزان الحركة ، ولفهم هذه الظاهرة ومناقشتها من
زوايا متعددة سنفتح آفاقا واسعة للربط بين ما تحققه الأبحاث العلمية في علم
الأعصاب وعلم النفس ، وبين المقاصد والدلائل الدينية التي تؤكد على مدى قيمة هذه
الظاهرة ، وصولا إلى تطبيقاتها المباشرة في علم الاستشعار الميداني .
من الزاوية العلمية والبيولوجية ،
يعرف الحس العميق بأنه الحاسة السادسة التي تمكن الجهاز العصبي من الاستجابة
المستمرة للوضعية الحركية وتوازن الجسم في الفضاء دون الحاجة للنظر ، إذ يعتمد هذا
النظام على مستشعرات حسية دقيقة تسمى المستقبلات الحركية المنتشرة في العضلات
والأوتار والمفاصل ، والتي ترسل إشارات متواصلة إلى الدماغ لتقييم أي اهتزاز أو
تغير طفيف في التوازن ، وهنا يكمن الربط المباشر بمفهوم ميزان الحركة ، فالباحث
الميداني الذي يمسك بأدوات الاستشعار يعتمد كليا على كفاءة هذا الحس العميق لتصفية
الضوضاء الميكانيكية الناتجة عن المشي أو اضطراب التنفس أو حركات اليد العفوية ،
والدليل العلمي الصريح على هذه الآلية يتجلى في ظاهرة الحركة الإيحائية المثبتة في
علم النفس العصبي ، والتي تؤكد أن الاستجابات العضلية المجهرية والدقيقة قد تحدث
دون وعي مباشر من الشخص نتيجة تركيزه الذهني العميق ، مما يحول الأداة الميدانية
إلى مجرد مكبر فيزيائي لتلك الاستجابات العصبية الداخلية ، كل هذا من زاوية العقل
والمدخلات الحسية ، أما من زاوية الإستشعار كحقيقة صرفة فالنفس هي القيادي لكل العمليات
الذهنية والحسية .أما من الزاوية النفسية والباراسيكولوجية ، فإن ميزان الحركة
يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى التحكم في التداخلات النفسية أو ما يعرف بالتشويش الذهني
، لأنه وكما أسلفنا صفاء النفس من صفاء العقل ، وينص علم النفس الاستكشافي على أن
التوتر ، أو التوقع المسبق أو الخوف من الفشل ، كلها عوامل تطلق إشارات عصبية
مشوشة تؤدي إلى اهتزاز ميزان الحركة وظهور حركات وهمية لا أساس لها في الميدان ،
وبالتالي فإن تطوير الحس العميق يتطلب تدريبا نفسيا يشبه إلى حد كبير ممارسات
التأمل والتركيز العالي ، حيث يتم فصل العاطفة والتوقعات عن الاستجابة الحركية ،
وفي علوم الباراسيكولوجيا ينظر إلى هذا التوافق على أنه مرحلة من صفاء الوعي تتيح
للإنسان تقليل العوائق النفسية ، مما يجعل الاستجابة الحسية أكثر اتزانا ودقة عند
التفاعل مع التغيرات البيئية والميدانية .
وعند الانتقال إلى الأدلة والنصوص
الدينية والروحية ، نجد أن هناك رابطا عميقا بين صلاح النفس ، والهدوء الداخلي
وبين استقامة الجوارح ودقة أفعالها ، ويقول الله تعالى في كتابه الكريم: "
ألا بذكر الله تطمئن القلوب " ، وطمأنينة القلب هنا هي السكينة النفسية التي
تزيل الاضطراب والتشويش ، مما ينعكس مباشرة على هدوء الجوارح وثبات الحركة ، وعليه
قدمنا قبل اليوم طريقة المانترا عبر الذكر المتواصل أثناء البحث لتوجيه العقل نحو
وجهة واحدة وكذلك قرائة القرآن وصلاة الإستخارة والطهارة ، وفي السنة النبوية
المطهرة ، يوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الارتباط المباشر بين النفس والجوارح
بقوله : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الحسد كله ، وإذا فسدت فسد
الجسد كله ، ألا وهي القلب " ، حيث يمثل هذا الحديث أصلا دينيا ونفسيا يؤكد أن أي
اضطراب في الحالة الداخلية للنفس ينعكس فورا على الأداء الحركي والجسدي ، في حين
أن الشفافية والهدوء الداخلي يمنحان الجوارح انضباطا وتوازنا فائقين ، وهو ما يجسد
جوهر ضبط ميزان الحركة .
كذلك نجد في التراث الإسلامي إشارات
إلى مفهوم الفراسة ، والتي ربطت دائما بصفاء النفس والابتعاد عن الأغراض الدنيوية
والتشويش ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر
بنور من الله " ، والفراسة في جوهرها هي نوع من الاستشعار والتركيز الذهني
والنفسي الفائق الذي يتيح لصاحبه التمييز بين الحق والباطل ، أو بين الصواب والخطأ
، وهو ما يطابق في عمل الباحث الميداني قدرته على تمييز الإشارة الصادقة من الحركة
الوهمية المزيفة بفضل صقله لحواسه ونظافة قصده .
إن تطبيق هذا المفهوم في علم الاستشعار الميداني يوضح أن ميزان الحركة ليس مجرد مهارة ميكانيكية مكتسبة باليدين ، بل هو نتاج لمنظومة كاملة تبدأ من طمأنينة النفس وتركيز العقل ، مرورا بتدريب الجهاز العصبي والحس العميق ، وصولا إلى ثبات الأداة في الميدان ، والمواظبة الميدانية ، والتدريب المستمر على تصفية الذهن من التوقعات الوهمية ، وتدوين الملاحظات بعيدا عن الانفعال ، هي السبل الفعلية التي تمكن الباحث من بناء هذا التوافق العصبي والنفسي ، حيث يتضح أن تطوير الحس العميق وضبط ميزان الحركة ينبعان من قاعدة واحدة ، كلما زاد صفاء النفس والتركيز الذهني ، انضبطت حركة الجوارح وقلت الأخطاء ، مما يرفع من دقة العمل الميداني ويجعله قائما على أسس متينة تجمع بين العلم ، والتجربة ، والسكينة الروحية .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها