التخاطر في مزيج الوعي الخفي
تعد ظاهرة التخاطر (Telepathy) واحدة من أكثر الظواهر التي شغلت الفكر الإنساني عبر العصور ، حيث تقع عند منطقة التماس الحرجة بين العلم ، والدين ، والفلسفة ، وتمثل محاولة أزلية لتفسير قدرة العقل الباطن على تجاوز الحدود المادية والتواصل مع الآخر دون وسيط حسي ملموس ، ومن الناحية التاريخية والجذور القديمة ، لم يكن التخاطر مجرد ترف فكري ، بل كان ممارسة روحية متجذرة في الحضارات الغابرة ، فقد آمن الفراعنة بوجود قنوات خفية للتواصل الروحي عبر ما سموه "الكا" أو القرين الروحي ، واستخدم الفلاسفة اليونانيون القدامى مفاهيم قريبة من هذا السلوك ، حيث اعتقد ديموقريطس أن كل الأشياء تبعث "أشباحا" أو جزيئات دقيقة يمكن للنفوس الحساسة أن تلتقطها وتفهمها ، بينما نظر الأفلاطونيون الجدد إلى الكون بوصفه كائنا حيا واحدا تتصل أجزاؤه بشبكة غير مرئية من التعاطف الكوني ، مما يتيح للأرواح المتناغمة أن تتخاطب عبر المسافات ، وفي التراث الديني والروحي الشرقي ، ولا سيما في الفلسفات الفيدية والبوذية ، ينظر إلى التخاطر كأحد "السيداهات" أو القدرات الروحية الفائقة التي تتدفق بشكل طبيعي نتيجة التأمل العميق وتطهير الذات ، حيث يرتفع الوعي الإنساني ليتصل بالوعي الكوني الشامل الذي تذوب فيه المسافات المادية ، وهو ما يتقاطع بشكل ما مع التجربة الصوفية في الفكر الإسلامي التي تعرف بمفهوم "الكشف" أو "الفراسة الإيمانية" ، حيث يعتقد أن القلوب النقية تتقبل إشارات ربانية أو إلهامات تتجاوز الحواس الخمس ، ولعل الحادثة التاريخية الشهيرة للخليفة عمر بن الخطاب عندما نادى "يا سارية الجبل" تمثل في الموروث الإسلامي تجليا لخرق العادة ونقل المعرفة عبر مسافات شاسعة ، وهي ممارسة تصنف دينيا ضمن الكرامات وليس كممارسة سحرية أو غيبية مستقلة عن المشيئة الإلهية ، إذ يؤكد المنظور الديني عموما أن الاطلاع على الغيب أو اختراق حجب الغيب المادي هو هبة وليس مهارة ميكانيكية يمكن لأي فرد ممارستها بمجرد التدريب ، ما لم تكن محاطة بصفاء روحي خاص ، وعند الانتقال إلى الفلسفة ، نجد أن ظاهرة التخاطر قد أثارت معضلات وجودية ومعرفية معقدة ، فالفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور رأى أن الإرادة الكونية الموحدة هي جوهر الوجود ، وبالتالي فإن الانفصال بين الأفراد هو مجرد وهم بصري وزمني ، مما يجعل التواصل العقلي المباشر أمرا ممكنا عندما تتراجع حدة هذا الوهم ، في حين حاول فلاسفة العقل في العصر الحديث تفسير الظاهرة إما برفضها تماما لعدم توافقها مع الثنائية الديكارتية التي تفصل الصرامة المادية للجسم عن التجريد العقلي ، أو بقبولها كإمكانية ضمن فلسفة الوعي اللامادي ، وفي المقابل ، يقف العلم الحديث ، وتحديدا مجتمع الفيزياء الحيوية وعلم النفس التجريبي ، موقفا صارما يعتمد على التشكيك والطلب الدائم للأدلة التجريبية القابلة للتكرار ، فعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر مع تأسيس جمعية الأبحاث النفسية في لندن ، وتلاها تجارب البروفيسور جوزيف راين في جامعة ديوك باستخدام بطاقات "زينر" الشهيرة لشهادة الإدراك الحسي الفائق ، إلا أن العلم السائد لا يزال يصنف التخاطر ضمن "العلوم الزائفة" ، نظرا لأن نتائج تلك التجارب غالبا ما تفشل في الصمود أمام شروط المختبرات الصارمة وأساليب التعمية المزدوجة ، فضلا عن غياب آلية فيزيائية واضحة تفسر كيف يمكن لإنتروبيا الدماغ أو الموجات الكهرومغناطيسية العصبية الصادرة من قشرة المخ ، والتي تكون ضعيفة للغاية وتتلاشى بسرعة وفق قانون المربع العكسي ، أن تسافر لمسافات طويلة وتخترق الحواجز المادية لتدخل دماغا آخر وتترجم إلى أفكار واعية ، ومع ذلك ، يحاول بعض الباحثين المعاصرين اللجوء إلى ميكانيكا الكم ومفهوم "التشابك الكمي" كأداة تفسيرية محتملة ، مفترضين أن الجسيمات دون الذرية داخل الأدمغة البشرية قد تكون مترابطة بنحو يسمح بنقل الحالات المعرفية فوريا دون اعتبار للمسافة ، وهي فرضية تظل حتى الآن محل نقد لاذع من قبل الفيزيائيين الذين يؤكدون أن ظاهرة فك الترابط الكمي في البيئات البيولوجية الرطبة والدافئة تمنع حدوث مثل هذا الترابط على المستوى العياني ، وهنا يأتي دور العقل الباطن كحلقة الوصل الروحية والسيكولوجية الأهم في هذه الممارسة ، إذ يعتقد أن الوعي اليومي اليقظ بمثابة ضوضاء صاخبة تحجب الإشارات التخاطرية الضعيفة التي تصل إلى الدماغ ، ولذلك فإن العقل الباطن ، الذي يعمل كمخزن هائل للمعلومات غير الواعية والمشاعر المكبوتة ، هو المتلقي والمرسل الحقيقي لهذه النبضات ، ولا يمكن لهذه القدرة أن تطفو على السطح إلا في حالات الخفض المتعمد لنشاط الوعي ، مثل لحظات النوم ، أو التأمل العميق ، أو الغيبوبة الصغرى ، وهو ما يفسر لماذا تحدث معظم التجارب التخاطرية التلقائية بين الأفراد الذين يمتلكون رابطا عاطفيا قويا كالتوائم أو الأمهات وأبنائهن ، حيث يتشارك العقل الباطن لكليهما شفرة شعورية متطابقة تسهل التقاط الإشارات الخفية وتفسيرها كأفكار أو حدس مفاجئ ، ليظل التخاطر في نهاية المطاف ظاهرة تجمع بين سحر الروحانيات القديمة ، ومحاولات الفلسفة لتفكيك طبيعة الوعي ، وعجز العلم الحالي عن تقديم صك اعتراف كامل بها في ظل غياب التفسير المادي القاطع .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها