ما هو الوعي
![]() |
| ما هو الوعي |
الوعي هو اللغز الأكثر عمقا في التجربة الإنسانية والبشرية ، فهو الذاتية المطلقة التي تجعلنا نعيش الأحداث بدلا من أن نكون مجرد آلات تستجيب للمثيرات والمؤثرات البيئية تلقائيا . والفرق بين الحياة المعاشة كمجرد معالجة للبيانات وبين الشعور بها كأحاسيس يكمن في وجود الوعي ، فالكمبيوتر يستطيع حساب المعادلات وإدراك المدخلات البرمجية المضمنة فيه ، لكنه لا يشعر بحرارة الشمس ولا يتذوق طعم النجاح ، لكونه مجرد آلة خالي من أي إحساس أو شعور ، ومن هنا فإن الوعي يتجاوز مجرد المعرفة الظاهرية بالأشياء ، ليكون ذلك النور الداخلي الذي يمنح كل تجربة حظرية طعمها الخاص ولونها الفردي .
وقد حاول الفكر الفلسفي عبر تاريخه الطويل أن يجوب غوازي هذه الظاهرة ، حتى انقسمت الآراء في تفسير طبيعة الوعي وعلاقته بالمادة إلى المذهب الإثنيني الذي مثله رينيه ديكارت ، والذي فصل فيه تماما بين العقل كجوهر مفكر وبين الجسد كجوهر مادي ممتد ، واعتبر أن الوعي هو الخاصية الأساسية للروح التي لا يمكن تفسيرها بآليات المادة الصماؤ ، وفي المقابل ظهر أيضا الاتجاه المادي والمادي الفيزيائي ليطرح رأيا يناقض ذلك تماما ، مستدلا على أن الوعي ليس إلا نتاجا للعمليات المعقدة التي تحدث داخل الدماغ ، وأن الشعور بالذات يزول أو يتغير كليا بتغير الحالة الفيزيائية للشبكات العصبية ، والماديون يرون أن أي شيء في ميكانيك الكم محرد مادة خاضعة لمستوى غير قابل للقياس ، حيث لم تتوقف المحاولات الفلسفية عند هذا الحد ، بل ظهرت أطروحات أخرى تحاول الخروج من هذا الاستقطاب المتهالك ، كالمذهب المثالي الذي رأى مع فلاسفة مثل جورج بيركلي أن الوعي هو الأصل ، وأن العالم المادي ليس إلا مجموعة من المظاهر المحدودة داخل هذا الوعي الإنساني أو الإلهي ، لتأتي الفلسفة الظهراتية مع إدموند هوسرل ومصطلح القصدية ، لتؤكد أن الوعي لا يوجد ككيان معزول أو فارغ ، بل هو دائما وعي بشيء ما ، أي أن الوعي يتحدد من خلال توجهه نحو العالم ، ونحو الأفكار والأشياء والمشاعر ، فلا فصل بين الذات الواعية والعقل اللامادي ، حيث تتجلى طبيعة الوعي الخاصة من خلال أدلة وبراهين نعيشها في الواقع اليومي والتجربة الإنسانية المباشرة ، ومن أبرز هذه الأدلة وجود التجربة الذاتية ، وهي الحالة الشخصية التي يعيشها الفرد آنيا زيتعذر نقلها بالكامل للآخرين ، فأنت تستطيع أن تشرح لشخص آخر الأطوال الموجية للون الأحمر وكيف يستقبلها البصر ، لكنك لن تستطيع أبدا أن تنقل له شعورك الداخلي ورؤيتك الذاتية لهذا اللون ، وهذا الفارق الشاسع بين الوصف العلمي المادي والتجربة المعيشة يثبت أن للوعي أبعادا لا يمكن اختزالها في المعادلات والوصف الخارجي فقط ، بل هي تجارب يدمج فيها الفكر مع الشعور مع الإنطباع مع...... ، ويظهر دليل آخر يتجسد في قدرة الإنسان على التفكر الذاتي ومراقبة أفكاره الخاصة ، وهي ما يعرف بالوعي بالوعي ، فالإنسان لا يحزن أو يفكر فحسب ، بل يستطيع أن يتراجع خطوة إلى الخلف ليتأمل حزنه ويحلل أفكاره ويمارس النقد الذاتي لمساراته الذهنية ، ويستطيع أن يرى ويحلل شعوره من زوايا مختلفة ، وهذه القدرة على الانعكاس تجعل الوعي ليس مجرد شاشة تسجل ما يحدث ، بل قاضيا ومراقبا يمتلك حرية التوجيه وإعادة التقييم ، وهو ما يمنح الكائن البشري إرادته ومسؤوليته الأخلاقية ، إذ يتضح أن الوعي ليس مجرد نشاط عابر أو وظيفة حيوية ، بل هو المسرح المفتوح الذي تتشكل عليه كل معارفنا ، ومشاعرنا وقراراتنا المستقلة ، وهو الجسر الوحيد الذي يربط بين وجودنا الداخلي والعالم الخارجي ، والذي تحول بفضله المادة الصماء إلى حياة مفعمة بالمعنى والمقاصد ، ليظل الوعي هو جوهر الكينونة البشرية واللغز الذي يذكرنا دائما بحدود المعرفة الإنسانية في عمقها وتجليها .

تعليقات
إرسال تعليق
إذا كان ليكم أي استفسارأو معلومة يرجى تضمينها