التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 

العقل بين نسبية التصنيف ومطلق الومضة .

​لطالما وقف الإنسان أمام بعض الظواهر الطبيعية والتقليدية موقف الحائر، فإما أن يسقط عليها قالبا ماديا جافا يعجز عن تفسير ديناميكيتها ، وإما أن يرميها في سلة الخرافة هربا من عناء الفهم ، ومن بين هذه الظواهر الممتدة عبر التاريخ البشري تبرز ممارسة الاستشعار بالأسياخ النحاسية ، حيث تصنف هذه الممارسة تاريخيا وعلميا في إطار البحث عن المياه الجوفية والمعادن أو الفراغات في باطن الأرض ، حيث استخدمت أدوات كثيرة تلبية لهذا الغرض وأخذت حجما مبالغا فيه .

لكن هل يعكس تحرك تلك الأدوات مجرد استجابة لمجالات مغناطيسية خارجية أم أن النحاس هنا ليس سوى مؤشر خارجي لبوصلة داخلية أكثر تعقيدا وعمقا ؟

​إن الجوهر الحقيقي للاستشعار لا يكمن في معدن النحاس في حد ذاته ، وإنما في الوعي الإنساني الذي يحرك هذا المعدن ، فعندما نرفع هذه الظاهرة من مستوى التفسير الميكانيكي السطحي إلى آفاق علم النفس التحليلي والروحانيات الدينية والفلسفة المعرفية ، نكتشف أننا لسنا أمام سحر أو شعوذة ، وإنما أمام آلية إنسانية فطرية تعتمد على المعرفة الفورية التي تتجاوز قوالب العقل التحليلي النسبي .

​ولكي نفهم كيف يعمل الاستشعار كآلية نفسية ، دعنا نتأمل مثالا بسيطا من واقعنا اليومي ، وهنا سنستحظر نظرية قديمة أطلقنا عليها مشهد الشجرة .

​فحين يقف الإنسان على بعد مسافة معينة ويلمح شجرة ، يبدأ عقله الواعي فورا في تشريح هذا المشهد ، ويستدعي العقل مخزونه من المعلومات المؤرشفة ، كنوع هذه الشجرة ، طولها التقريبي ، فوائد ثمارها ، وكيف تتنفس ، المسافة الفاصلة بينك وبينها إلخ .

كل هذه البيانات هي عبارة عن معلومات وتجارب مكتسبة عبر الزمن ، معلومات قاصرة لا تجسد الحقيقة المطلقة للمشهد ، وهنا يجب أن ندرك حقيقة فلسفية ونفسية مهمة جدا ، فالعقل الإنساني الواعي هو جوهر مستحدث وليس أزليا ، وهو أداة تراكمية برمجتها البيئة المحيطة والمجتمع والتجارب الحسية الحيانية ، بمعنى أداة تصنيفية تبسط العالم من حولنا وتفككه إلى أجزاء لكي تستطيع استيعابه .

​فعندما نظرت إلى الشجرة ، استقبلت عينك ونفسك لقطة واحدة أو صورة فردية .

هذه اللقطة حوت كل شيء دفعة واحدة من لون والظل والعمق والماهية ، وأما العقل بسبب طبيعته المحدودة ، لا يستطيع التعامل مع كل هذه المعلومات دفعة واحدة ، فيقوم بتفكيك المشهد وفصله إلى تصنيفات نسبية .

​هذا الفصل والتشريح الذي يقوم به العقل لا يمثل الحقيقة المطلقة ، لأن الحقيقة المطلقة هي الصورة في حد ذاتها ، في كليتها وهيبتها الأولى قبل التدخل الجراحي للعقل التحليلي ، والإجابات التي يطرحها العقل بخصوص صورة الشجرة هي إجابات نسبية ، مرتبطة بحدود لغتك ومخزونك المعرفي المسبق ، فمثلا لو افترضنا أن المسافة الفاصلة بينك وبينها 10 أمتار فهذا تصنيف عقلي محظ مبني على مدى معرفتك بالمسافات لا أقل ولا أكثر ، بينما قياس المسافة بأدوات تقنية سيخلق الفارق بين الحقيقة ونسبية العقل .

​في مدرسة علم النفس التحليلي التي أسسها كارل غوستاف يونغ ، نجد مفهوم اللاشعور الجمعي ، وهو ذلك الخزان الهائل من المعارف والرموز والخبرات الفطرية المشتركة بين البشرية جمعاء ، والتي لا تعتمد على تجربة الفرد الشخصية بل تولد معه كبنية فطرية ، والاستشعار بالأسياخ النحاسية هو ممارسة وجدانية في مقامها الأول ، حيث تتواثر المعلومات على شاكلة ومضة فورية ونبضة حدسية تأتيك بكل المعلومات دفعة واحدة ، فعندما يمسك المستشعر بالأسياخ ، فإن مستقبلاته ما فوق الحسية تلتقط التغيرات الدقيقة في المحيط سواء كانت مجالات فيزيائية ، أو تدفقات طاقية ، أو إشارات غيبية مخزنة في الطيف الكوني ، حيث يترجمها عقلك الباطن عبر الاستجابة الحركية اللاواعية ، فالأسياخ لا تتحرك من تلقاء نفسها ، بل تتحرك نتيجة نبضة فورية صادرة من أعماق النفس البشرية سبقت تفكير العقل وتصنيفاته .

​ولطالما ناقشت الفلسفة المعرفية طرق الوصول إلى الحقيقة المطلقة ، فهل سنصل إليها بالمنطق البارد والترتيب العقلي للحجج ، أم بالشهود والحدس المباشر ؟

​فلسفيا، يعتبر الشعور والحدس رادارا ينقلك إلى المعرفة بقفزة واحدة دون الحاجة للمرور بالسلم المنطقي التراكمي للعقل ، لأنه يحتاج إلى مقدمات ليصل إلى نتائج ، أما الشعور فيلغي هذه المسافة الزمنية والمفهومية ، حيث يرى النتيجة متضمنة في أصل المشهد ، وعليه كنا دائما ما نقول أن أن الشعور أصدق مليون مرة من ترجمة العقل .

​يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون إن الذكاء والعقل التحليلي يصلحان للتعامل مع المادة الجامدة وتفكيكها ، لكن الحدس هو الأداة الوحيدة القادرة على استيعاب الحياة في ديمومتها وكليتها ، والاستجابة الفطرية لهذه الومضة الحدسية أثناء عملية الاستشعار تكون أصدق بكثير من محاولات العقل لترتيب الحجج والتبريراته ، فالعقل قد يجادل ويقول لا يمكن أن يكون هناك ماء هنا لأن الأرض جافة ، بينما الومضة الفطرية والوجدانية للمستشعر تشعر بالتدفق الخفي تحت طبقات الصخر وتعلن أصالة المعرفة الفورية .

​وإذا انتقلنا بالتحليل إلى الجانب الديني والروحي ، نجد أن الأديان والشرائع لم تحصر المعرفة الإنسانية في حدود المحسوسات والعقل المادي فقط ، بل فتحت أبوابا واسعة للمعرفة الإجمالية الفورية التي تقذف في قلب الإنسان ، وفي االإسلام يولد الإنسان على الفطرة ، وهي البنية السليمة والبرمجة الإلهية الأولى التي تسبق كسب العقل ومكتسباته .

هذه الفطرة تمتلك قدرة ذاتية على التمييز والمعرفة دون الحاجة إلى أدلة عقلية معقدة ، والاستشعار في جوهره هو تفعيل لهذه الاستجابة الفطرية .

​يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف :

​"اتقوا فراسة النؤمن فإنه ينظر بنور من الله" والفراسة هي تماما تلك الومضة الفورية الوجدانية ، وهي المعرفة التي تقفز فوق الحجج العقلية المرتبة ، لتصل إلى حقيقة الشيء وعمقه بلمحة واحدة . فالمستشعر بالأسياخ النحاسية ، حين تصفو نفسه وتتصل بالطبيعة من حولها ، يمارس نوعا من الفراسة الكونية والتأمل اللحظي ، حيث يترجم جسده عبر النحاس ذلك النور أو الإدراك الداخلي الذي التقطه نفسه .

​تأمل معي قصة سيدنا موسى عليه السلام والعبد الصالح في سورة الكهف ، تظهر بوضوح ثنائية العقل التحليلي ، لأن موسى عليه السلام كان يطرح أسئلة منطقية قائمة على الشواهد الظاهرية ، بينما الخضر والمعرفة اللدنية الفورية كان يتصرف بناء على معرفة كلية مطلقة تلقاها مباشرة ، لقوله سبحانه وتعالى "وعلمانه من لدنا علما"

والعلم اللدني هو العلم الوجداني الذي يأتيك دفعة واحدة ، لا يحتاج إلى فك الشفرات وتصنيف المعلومات ، وحين نسقط هذا على علم الاستشعار نجد أن اللحظة التي تنفرج فيها الأسياخ أو تتقاطع هي لحظة شهود واقتران وجداني بين ذات المستشعر ، حيث تتجلى الحقيقة في صورتها الكلية دون تزييف من العقل المستحدث ، وحتى لا نبقى في إطار الفلسفة والميتافيزيقا ، دعنا نربط هذه الرؤية النفسية والدينية بالحقائق العلمية والفيزيولوجية التي تفسر صدق هذه الومضة الفطرية ، حيث يقر العلم أن العقل الباطن يمكنه إرسال إشارات عصبية دقيقة جدا إلى عضلات اليدين تؤدي إلى حركات لا إرادية دون أن يشعر الإنسان بوعيه أنه هو من حركها ، فالنحاس هنا يعمل كمضخم لهذه الحركة العضلية الدقيقة الناتجة عن الومضة الحدسية ، ويحتوي جسم الإنسان وخاصة الأنسجة الدماغية والقلب على بلورات من المغناطيس الحيوي ، تمكنه فطريا من الشعور بالتغيرات الطفيفة في المجال المغناطيسي للأرض ، والناتجة عن وجود مياه جوفية أو تصدعات صخرية .

​إن ممارسة الاستشعار بالأسياخ النحاسية هي رحلة من التحليل العقلاني الضيق إلى الوعي الكلي الشامل .

إنها تثبت لنا أن ترتيب العقل للحجج ليس دائما المقياس الأوحد للحقيقة ، بل إن الاستجابة الفطرية الوجدانية ، أو تلك الومضة الفورية التي تختزل الزمان والمكان والتصنيفات ، هي الأقرب لملامسة جوهر الحقيقة المطلقة .

​فحين تمسك بالأسياخ ، أو حين تنظر إلى شجرة ، تذكر دائما ألا تدع عقلك المستحدث يفسد عليك بهاء اللقطة الأولى ، دع روحك تستشعر ، ودع فطرتك تقودك ، فالمعرفة الحقيقية كامنة في أعماقك .

في نهاية المطافو، يجب أن نضع النقاط على الحروف لنرسم الحدود الفاصلة بين الحقيقة الوجدانية المطلقة والبرمجة العقلية المستحدثة ، فالبحث الاستشعاري الحقيقي يكتمل وينتهي في تلك الومضة الأولى بالذات ، فبمجرد أن يعقد المستشعر نية البحث في أعماقه ، تتدفق المعلومات شعوريا وتستحضرها النفس دفعة واحدة في لقطة كلية خاطفة تسبق المادة والزمن ، أما كل ما يحدث بعد ذلك من رفع الأسياخ ، وتتبع مسار الإشارة ، والمشي لخطوات ، والالتفاف ، وتحديد نقطة الصفر وتثبيت الهدف فليس سوى برمجة عقلية محضة أملتها العادات ، وتجارب الممارسينو، وقيود العقل التفكيكية .

فالعقل الواعي لا يستطيع استيعاب فكرة المعرفة الفورية الفوق زمنية ، فيقوم باختراع طقوس حركية ومسارات مادية ليوهم نفسه بأنه يبني حججا منطقية للوصول إلى الهدف ، بينما الحقيقة كاملة كانت قد استقرت في رادار الشعور منذ لحظة النية الأولى .

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات ​تعد ظاهرة استخدام أسياخ النحاس في البحث والكشف عن الفراغات والمعادن في باطن الأرض من أكثر المواضيع جدلا بين الأوساط العلمية والباحثين الميدانيين ، إذ يتأرجح تقييم هذه الأداة البدائية بين من يراها وسيلة استشعارية فعالة تعتمد على التقاط مجالات غير مرئية ، وبين من يصنفها علميا ضمن الظواهر النفسية الحركية التي لا تمتلك أي أساس فيزيائي صلب ، مما يفتح الباب واسعا لتفكيك هذه الممارسة وفصل الحقائق العلمية عن الادعاءات الخرافية . ​الآلية الفيزيائية لنمو الفراغات الأرضية وتأثيرها على السطح ​من الناحية الجيولوجية والفيزيائية ، فإن الفراغات والمغارات أو المدافن تحت الأرض تحدث خللا في تجانس التربة المحيطة بها ، حيث تتميز هذه الفراغات باختلاف كثافتها بشكل حاد مقارنة بالصخور أو الرمال التي تطوقها ، هذا التباين في الكثافة يؤدي بالضرورة إلى تغيرات طفيفة في القياسات الجيوفيزيائية مثل المقاومية الكهربائية للتربة ، وشذوذ الجاذبية المحلية ، وحتى تدفق الغازات الطبيعية كالميثان أو الرادون...

فرضية القرن

  فرضية القرن فرضية القرن مرحبا : اليوم جئنا وفي جعبتنا فرضية مهمة جدا في خضم المنافسة التي تعتلي صناعة هذا المحتوى ، فرضية سنحاول من خلالها أن نستسقي استنتاجات مهمة جدا تخلي لنا النظر إلى علم الإستشعار بزاوية حقة ، وللبدئ ندعوا جموع المتابعين إلى ضرورة التركيز الجيد حتى يتبين لكم التسلل أين يقع ، ولتعلموا أن السر في الذات وليس في الأداة . فرضيتنا تقول : لدينا مجال مفتوح أو أرض زراعية سنفترضها هي الميدان الحقيقي الذي سنقيم عليه تجاربنا ، ثم جئنا فأنشأنا ثلاث أهداف حقيقية على طول هذه الأرض ، لنحاكي بذالك البحث الميداني الحقيقي ، كل هدف وضعناه في زاوية مختلفة ، الهدف الأول كان عبارة عن جرة وبها معدن الفضة وضعناها جهة الشمال ، والهدف الثاني وضعناه باتجاه الشمال الغربي وهو عبارة عن فراغ بشري ، ثم انتقلنا إلى جهة الجنوب الغربي فوضعنا هدف كان عبارة عن قبر به بعضا من عظام الحيوانات ، كل هذه الأهداف وضعناها بغية إقامة التجارب الميدانية عليها ، ثم بعد الإنتهاء من وضع كل هذه الأهداف طمسنا معالم الموقع حتى صار الميدان يتبين وكأنه يطابق الحقيقة ، ثم بعد الإنتهاء من عملنا هذا أحضرنا خبير اس...

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية بسم الله الرحمان الرحيم كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية ​لقد سبق وتناولنا مواضيع جمة فيما يخص طرق الكشف والبحث بأسياخ النحاس ، وكذا المفاهيم الفيزيائية والبيولوجية التي تحكم الواقع الميداني وحركات الأسياخ ، لكن الطبيعة دائما ما تمنحنا أبعادا عميقة تجعلنا نتأمل في خفايا العلوم ، فالعمل الميداني ليس مجرد حركة آلية ، بل هو تفاعل حيوي متكامل . إن ما نتعلمه في العلوم التقليدية يكتمل عندما نفهم طاقة الوعي الإنساني ، وهناك دائما مقاربات تجمع بين فيزياء المادة وقوة العقل ، فالعلم الحقيقي هو إدراك الشيء على ما هو عليه ، وللعمل الميداني قواعد فكرية وتقنية يجب استيعابها قبل خوض غمار التجارب والمغامرات ، لذا سنتطرق في هذه المقالة إلى كيفية البحث عن الدفائن والكنوز بطريقة احترافية في الأماكن المشبوهة ، بالاعتماد على التوازن بين طاقة العقل واستجابة الأسياخ النحاسية ، للوصول إلى الهدف المنشود بكل دقة وسهولة . ​_مكان البحث : ​نعلم جميعا أن أسياخ النحاس تعمل كأداة استشعار دقيقة تشبه البوصلة في حساسيتها ، فهي تتأثر بالحقول الترددية والكهرومغناطيسية ا...