التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 

تجارب الإقتراب مه الموت

 

منذ فجر التاريخ والإنسان يحوم حول مفهوم الروح والوعي ، محاولا فهم ما إذا كان إدراكه للعالم محصورا فيما تراه العين وتسمعه الأذن ، أم أن هناك أبعادا أعمق غائبة عن الحواس ، حيث ظل العلم التقليدي لفترة طويلة من الزمن يتعامل مع الدماغ البشري باعتباره المصنع الذي ينتج الأفكار والمشاعر والنوايا ، وأنه البوصلة والمحور القيادي لدى الإنسان ، غير أن الظواهر الغامضة وعلى رأسها تجارب الاقتراب من الموت ، جاءت لتظع علامة استفهام كبرى أمام هذه الرؤية المادية الضيقة والقاصرة ، مشيرة إلى أن للنفس البشرية قدرات هائلة لكنها محجوبة خلف ستار المادة ، وأن التجلي والبروز أمام الخفايا وعوالم الذر ليست حالات استثنائية ، وإنما قدرات مفقودة .

​ولفهم هذه الظاهرة ، يجدر بنا التفكير في الفكرة الفلسفية التي تصف الدماغ بأنه ليس مكونا للوعي ، بل مجرد جهاز لتقليص الترشيح أو مرشح إشارة ، وهي الفكرة التي أصّلها الفيلسوف هنري برجسون وتبناها لاحقا عالم النفس ألدوس هكسلي ، فوظيفة الجسد والجهاز العصبي تؤول بين المرئ وعوالم الذر لحجب معظم الإشارات والمعلومات التي تدور في هذا الكون الفسيح ، فيكتفي الإنسان بالتركيز فقط على ما يحتاجه للبقاء حيا ، كالابتعاد عن المخاطر والتفاعل مع البيئة بشكل مباشر ، فلو أن الوعي البشري ظل متصلا بكل أفكار الآخرين ومعارف الكون في كل ثانية ، لعجزت حواسه عن الحركة ولانهار نظامه العصبي كليا ، مما يجعل الجسد المادي بمثابة حجاب يُضيّق نطاق الوعي ليناسب الحياة اليومية ، وعليه صارت الأبحاث السريرية تنقاد وراء السر البشري الذي يقع في مستوى تحت كمي ، وله القدرة والمرونة الكافية على تخطي العوالم وكشف الأسرار ، وهو السر ذاته الذي يتأصل بين الثقلين و القاسم المشترك بينهما ، حتى في عالم الروحانيات ، وهذا ليس تنظير فلسفي وإنما اشتقاق أيدته دراسات طبية وميدانية واسعة ، حيث قاد طبيب أمراض القلب الهولندي الدكتور بيم فان لوميل دراسة شهيرة نشرت في مجلة تغطي الاختلالات العصبية والطبية ، حيث تابع فيها مئات المرضى الذين تعرضوا لتوقف قلبي كامل ، وموت إكلينيكي سريري ، ولم تعد أجسادهم تبدي استجابات لدرجة أن أدمغتهم كانت متوقفة تماما عن العمل ، ومع ذلك أبلغ العديد منهم عن إدراك واضح وتجارب خروج من الجسد ورؤية تفاصيل دقيقة لم يكن بمقدورهم معرفتها في حالتهم تلك ، كما أجرى الدكتور سام بارنيا دراسة عالمية تُعرف باسم (awar) ، والتي وثقت حالات لمرضى استطاعوا وصف تحركات الأطباء وأدوات الإنعاش والأصوات الدقيقة أثناء فترة التوقف السريري الكامل لدماغهم وقلبهم ، مما يطرح دليلا على أن الإدراك والوعي قد يستمران حتى عندما يتعطل الحجاب المادي المتمثل في الدماغ .

​وعلى الجانب الآخر ، تأتي فيزياء الكم الحديثة لتشرح كيف يمكن لهذا الوعي أن يتحرك عبر المكان والزمان ، إذ أثبتت النظريات الفيزيائية الحديثة أن المادة في جوهرها ليست سوى طاقات واهتزازات متداخلة ، حيث يمكن للأجسام أن تتصل ببعضها لحظيا وعبر مسافات شاسعة فيما يعرف بالتشابك الكمومي ، ومن هذا

 المنطلق طور عالم الفيزياء النظري سير روجر بنروز بالتعاون مع طبيب التخدير ستيوارت هاميروف نظرية {الوعي الكمومي} (Orch-OR) ، والتي تفترض أن الوعي لا يصنع داخل الخلايا العصبية بشكل كيميائي بسيط ، بل هو ظاهرة كمومية تحدث على مستوى الأنابيب الدقيقة داخل الخلايا ، وعليه فالتقسيمات المادية مثل الحوائط والمسافات والماضي والمستقبل هي قيود تفرضها الحواس فقط ، وعندما يختل عمل الجسد أو يتوقف الدماغ مؤقتا ، ينكشف هذا الحجاب ليستعيد الوعي قدرته الشمولية على الإدراك الكمومي دون الحاجة للعينين أو الأذنين ، وأما من المنظور الروحي ، فإن النفس جوهر لطيف وُضع داخل الهيكل المادي لفترة محددة ، والجسد بالنسبة لها ليس إلا كبدلة الغوص التي يرتديها الغواص ، فهي تحميه وتساعده على العيش تحت الماء ، لكنها في الوقت نفسه تقيد حريته وسرعته ، وعندما تقترب النفس من التحرر في لحظات الاقتراب من الموت ، تخلع هذه البدلة جزئيا فتتلاشى الحواجز المكانية لتستطيع رؤية ما خلف الجدران ، حيث تنجلي النوايا والأفكار لكونها مجرد طاقات تلتقطها النفس مباشرة دون حاجة للغة رسمية ميكانيكية ، كما ينفتح شريط الزمان ليتطلع الوعي على الماضي والمستقبل من نقطة أعلى من جريان الوقت المادي .

​وعليه فالربط بين الأدلة الطبية والفلسفة وفيزياء الكم يقودنا إلى نتيجة واحدة ، وهي أننا نفوس تخوض تجربة مادية مؤقتة ، والقدرات الغامضة التي تظهر عند مشارف الموت ليست معجزات خيالية ولا مجرد هلاوس ناتجة عن تلف الدماغ ، بل هي الخصائص الأصيلة للنفس البشرية حين تستعيد حريتها وتتحرر من ضغط المادة ، ليكون الجسد هو الحجاب الذي يحمينا لنعيش تجربتنا الأرضية ، والستار الذي يخفي عنا في الوقت نفسه أبعادا أوسع للوجود .

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات

أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات أسياخ النحاس البشرية وحقيقة الكشف الفيزيائي عن الفراغات ​تعد ظاهرة استخدام أسياخ النحاس في البحث والكشف عن الفراغات والمعادن في باطن الأرض من أكثر المواضيع جدلا بين الأوساط العلمية والباحثين الميدانيين ، إذ يتأرجح تقييم هذه الأداة البدائية بين من يراها وسيلة استشعارية فعالة تعتمد على التقاط مجالات غير مرئية ، وبين من يصنفها علميا ضمن الظواهر النفسية الحركية التي لا تمتلك أي أساس فيزيائي صلب ، مما يفتح الباب واسعا لتفكيك هذه الممارسة وفصل الحقائق العلمية عن الادعاءات الخرافية . ​الآلية الفيزيائية لنمو الفراغات الأرضية وتأثيرها على السطح ​من الناحية الجيولوجية والفيزيائية ، فإن الفراغات والمغارات أو المدافن تحت الأرض تحدث خللا في تجانس التربة المحيطة بها ، حيث تتميز هذه الفراغات باختلاف كثافتها بشكل حاد مقارنة بالصخور أو الرمال التي تطوقها ، هذا التباين في الكثافة يؤدي بالضرورة إلى تغيرات طفيفة في القياسات الجيوفيزيائية مثل المقاومية الكهربائية للتربة ، وشذوذ الجاذبية المحلية ، وحتى تدفق الغازات الطبيعية كالميثان أو الرادون...

فرضية القرن

  فرضية القرن فرضية القرن مرحبا : اليوم جئنا وفي جعبتنا فرضية مهمة جدا في خضم المنافسة التي تعتلي صناعة هذا المحتوى ، فرضية سنحاول من خلالها أن نستسقي استنتاجات مهمة جدا تخلي لنا النظر إلى علم الإستشعار بزاوية حقة ، وللبدئ ندعوا جموع المتابعين إلى ضرورة التركيز الجيد حتى يتبين لكم التسلل أين يقع ، ولتعلموا أن السر في الذات وليس في الأداة . فرضيتنا تقول : لدينا مجال مفتوح أو أرض زراعية سنفترضها هي الميدان الحقيقي الذي سنقيم عليه تجاربنا ، ثم جئنا فأنشأنا ثلاث أهداف حقيقية على طول هذه الأرض ، لنحاكي بذالك البحث الميداني الحقيقي ، كل هدف وضعناه في زاوية مختلفة ، الهدف الأول كان عبارة عن جرة وبها معدن الفضة وضعناها جهة الشمال ، والهدف الثاني وضعناه باتجاه الشمال الغربي وهو عبارة عن فراغ بشري ، ثم انتقلنا إلى جهة الجنوب الغربي فوضعنا هدف كان عبارة عن قبر به بعضا من عظام الحيوانات ، كل هذه الأهداف وضعناها بغية إقامة التجارب الميدانية عليها ، ثم بعد الإنتهاء من وضع كل هذه الأهداف طمسنا معالم الموقع حتى صار الميدان يتبين وكأنه يطابق الحقيقة ، ثم بعد الإنتهاء من عملنا هذا أحضرنا خبير اس...

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية

كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية بسم الله الرحمان الرحيم كيفية البحث الميداني بالأسياخ النحاسية ​لقد سبق وتناولنا مواضيع جمة فيما يخص طرق الكشف والبحث بأسياخ النحاس ، وكذا المفاهيم الفيزيائية والبيولوجية التي تحكم الواقع الميداني وحركات الأسياخ ، لكن الطبيعة دائما ما تمنحنا أبعادا عميقة تجعلنا نتأمل في خفايا العلوم ، فالعمل الميداني ليس مجرد حركة آلية ، بل هو تفاعل حيوي متكامل . إن ما نتعلمه في العلوم التقليدية يكتمل عندما نفهم طاقة الوعي الإنساني ، وهناك دائما مقاربات تجمع بين فيزياء المادة وقوة العقل ، فالعلم الحقيقي هو إدراك الشيء على ما هو عليه ، وللعمل الميداني قواعد فكرية وتقنية يجب استيعابها قبل خوض غمار التجارب والمغامرات ، لذا سنتطرق في هذه المقالة إلى كيفية البحث عن الدفائن والكنوز بطريقة احترافية في الأماكن المشبوهة ، بالاعتماد على التوازن بين طاقة العقل واستجابة الأسياخ النحاسية ، للوصول إلى الهدف المنشود بكل دقة وسهولة . ​_مكان البحث : ​نعلم جميعا أن أسياخ النحاس تعمل كأداة استشعار دقيقة تشبه البوصلة في حساسيتها ، فهي تتأثر بالحقول الترددية والكهرومغناطيسية ا...